تساؤلات في الثورات العربية: عن الطبقة والدور والحراك الاجتماعي

1 07 2011

لم يكن كافياً رؤية جموع الناس المتظاهرين في ميدان التحرير لرصد تحولات إجتماعية عميقة ستهز حتماً البنى الاجتماعية في العالم العربي. ونحن لسنا هنا في وارد التنظير في ما ستؤول إليه الاوضاع في مصر وتونس بعد إنجاز ثورتهما أو في باقي الدول العربية التي يتنظرها التغيير، إنما وفي ضوء ما أنجزته الثورات المحققة ثمة تغييرات جوهرية تصيب الواقع الاجتماعي لتلك الدول ما كانت لتظهر لولا هذا الحراك الشعبي المميز.

غالباً ما تلعب الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود دوراً أساسياً في دفع مطالبها نحو ثورة عمالية أو نقابية ثمّ تأخذ منحىً سياسياً بعد إنضمام فئات أوسع من المجتمع إليها. وإذا كان هذا في صلب النظرية الماركسية التقليدية، فإنه يتوجب على المفكرين الماركسيين إعادة النظر ببعض تلك المفاهيم وبالاخص مفهوم الطبقة العاملة بوصفها الطبقة المستغلة والمحركة للثورات. ونستطيع القول بأن الطبقة العاملة لم تصنع هذه الثورات على الرغم من مغالاة بعض المفكرين اليساريين في إبراز النظرية الماركسية التقليدية ومحاولات إسقاطها في واقع هذه الشعوب. وليعذرني بعض هؤلاء الا أن رصداً متأتياً للحراك الشعبي المحقق في كل من مصر وتونس أظهر أن فئة من الشباب الجامعي المتعلم والمنتمي الى الطبقة الوسطى لعب دوراً محورياً في عملية الحشد والتعبئة والتنظيم(هذا الاخير تحول الى تنظيم إفتراضي بعد دخول موجة الاعلام الاجتماعي أو ما يعرف بال Social media tools). وفي حقيقة الامر، فانّ النقاش ينبغي أن يبدأ من هذه النقطة: من هي تلك الطبقة الجديدة؟ كيف تكونت؟ ما هي البيئة التي تكونت في إطارها؟ وما هو شكل التحديث السياسي الذي ستجلبه هذه الطبقة؟ وهذه كلها أسئلة برسم التحول الاجتماعي الحاصل والذي لا نستطيع أن نجزم بمحصلته النهائية اليوم الا أننا نستقي بعضاً من مؤشراته. لقد لعب الشباب الجامعي أو الداخل حديثاً في سوق العمل دوراً محورياً في الثورات بسبب توفّر الوسائل الحديثة. وفي حقيقة الامر، فإن بروز الطبقة الجديدة هذه لم يكن وليد اللحظة بل أتى كنتاج معقّد من الظروف والعوامل التي أدت في ما أدت اليه الى نشوء كتلة وازنة إستطاعت أن تغيّر الميزان الاجتماعي.

 وهذه الكتلة هي نتاج التحديث الاقتصادي( ولا أقول التنمية الاقتصادية) التي أدّت الى نمو قطاعات خدماتية على حساب القطاعات الانتاجية. وإذا نظرنا الى الخلفية الاجتماعية لوائل غنيم مثلاً، فهو يشغل منصب المدير الاقليمي لشركة ” غوغل ” في الشرق الاوسط وشمالي أفريقيا. وفي هذا السياق، تغدو هذه الطبقة كإحدى إفرازات الحداثة الاقتصادية غير المتحولة الى طور تنمية إقتصادية وإجتماعية عادلة خاصة بعد دخول البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في ثمانينات القرن الماضي الى مصر كما الى معظم الدول النامية في برامج عرفت بإسم Structural Adjustment Policies . إستهدفت هذه البرامج “لبرلة” الاقتصاد الوطني أي تحرير التجارة وفتح الاسواق الوطنية للاستثمارات الخارجية وتقليص عديد القطاع العام وترشيد الانفاق وزيادة الضرائب غير المباشرة وخصخصة القطاعات العامة الحيوية. أنتجت هذه السياسات مستويات عالية من الفقر والبطالة والتهميش والاقصاء الاجتماعي ما فتئت تتحدث عنه تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بالتنمية الانسانية. وكنتيجة مباشرة لهذه السياسات، تم تكييف الاقتصادات الوطنية لصالح الرأسمال العالمي وليس من أجل تحقيق نمو إقتصادي في تلك البلدان. وعلى الرغم من وقوع فئات كبيرة من الشعوب العربية تحت خط الفقر الا أنّه نما على ضفاف هذه السياسات طبقة من الميسورين ممن تعلموا في جامعات أو معاهد تقنية وتوفر لهم وسائل الاتصال والتواصل. وفي هذا السياق أيضاً يكمن فهم نموذجي الثورة: وائل غنيم ومحمد البوعزيزي على الرغم من الاختلاف الشديد في البيئة الاجتماعية لكليهما. فالاول كما ذكرنا يأتي من خلقية إجتماعية ميسورة أما البو عزيزي قفد أودى به الفقر المدقع الى حدّ إحراق نفسه.

خلال عهود الديكتاتوريات العربية، كانت الانظمة الحاكمة ترضي الذين تمّ إستغلالهم في ظروف إقتصادية غير ملاءمة ببعض فتات ” حرية شكلية ” تمثلت في جرّ تلك الفئات الى المعترك السياسيّ أي بكلامٍ أدق كان ثمن التهميش الاجتماعي يقابل بتغيير شكل النظام عندما يحين موعد الانتخابات الرئاسية أو النيابية أو المحلية. هكذا مثلاً تمّ إستمالة تنظيم الاخوان المسلمين إلى قواعد اللعبة السياسية بإمتلاكها كتلة نيابية تضم 88 نائباً في مجلس الشعب المصري بعد الانتخابات النيابية في صيف عام 2005. وسمحت النظم الحاكمة في العالم العربي بتأسيس عدد كبير من المنظمات غير الحكومية ولم يكن هذا الامر إقتناعاً منها بضرورة إشراك المجتمع المدنيّ في عملية صنع القرار والتوعية على مفاهيم مثل الديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان وحل النزاعات وغيرها، إنما كتعويض عن عجز هذه الدول في إحداث التنمية المنشودة. وبذلك، تمكنت فئات واسعة من المجتمعات العربية من إمتلاك وسائل التواصل والتشبيك ومن خلال عملها في تلك المنظمات إمتلكت تقنيات المناصرة والمدافعة.

إذاً، عملت النظم الحاكمة على إبعاد ” الاقتصادي ” عن ” السياسي ” وهي بذلك قد وضعت مسافةً واسعةً بين التغيير السياسي والذي هو بدوره تعبير عن صراع إقتصادي إذ أن الطبقة المهيمنة سياسياً هي الطبقة المهيمنة إقتصادياً. عملت النظم الحاكمة طيلة العقود الماضية على إخفاء الشعارات وطمسها أو مصادرتها الا أن صدحت الحناجر بعبارة ” الشعب يريد إسقاط النظام “. وبعيداً عن المناظرات الفكرية التي يحلو للبعض صوغها يومياً حول مآل التغيير السياسي، فإنً أهم درس من دروس الثورات العربية تكمن في تمكّن الجماهير العربية من إعادة وصل ما إنقطع بين مستويي التغيير: السياسي والاقتصادي.إذ أن المواطن العربي ومن خلال هذه العبارة أراد إبراز الوجه السياسي للصراع كون الصراع السياسي هو الصراع الاقتصادي المخبىء حيث لا يمكن إنتزاع الحرية السياسية دون الحرية الاقتصادية. وفي هذا الحراك العربي فرادة مميزة أدهشتنا في عمق التجربة وفرادتها وتطورها الى الحد الذي لم يعد أمراً ما مستحيلاً في العالم العربي.

المستحيل الوحيد أصبح الثبات.. وكما قال شهيد الفكر الحر سمير قصير: إنّ ربيع العرب حين يزهر في بيروت إنما يعلن أوان الورد في دمشق.

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: