عن سوريا التي أعادت صداقتنا

12 08 2011

كنا أنا وأيمن ووجيه .. ثلاثي سياسيّ أزعج إدارة ثانوية السيدة الارثودكسية خلال فترة تحصيلنا العلمي. بدأ وعينا السياسي بالنضوج باكراً ( أي في المرحلة المتوسطة) ولكنه تزايد خلال المرحلة الثانوية ذلك أنه كنا قد إستفدنا من نافذة ثقافية كانت إدارة المدرسة تنظمها كل يوم أربعاء، يطرح من خلالها التلامذة مواضيع إجتماعية وثقافية وتربوية ولكننا كنا ” مهوسوو ” العمل السياسي نريد أن نقحم فكرنا السياسي في حلقاتٍ ثقافية لم يكن هدفها بالاساس التطرق الى المواضيع السياسية الساخنة. كنا ” يساريو الهوى ” على حد تعبير الرفيق أيمن الا أنني ووجيه كنا دائماً نصر على تصنيفنا كشيوعيين في محاولةٍ مستمرة لتخطي حدود اليسار ولنصبح على يساره، وكنا نهزأ من أيمن معتبرين أنفسنا أكثر جرأةً في إبراز إتجاهتنا الفكرية.

وكما يدل إسمها فإن ثانوية السيدة الارثودكسية هي مدرسة خاصة تابعة للكنيسة الارثودكسية وهي تضمّ بالاضافة الى مدرستنا السابقة مجموعة من ثلاثة مدارس أخرى في بيروت. لم تجبر إدارة المدرسة التلامذة على خضوعهم لتدريس ديني إلزامي، الا أنّه وجود أحد رؤساء الكنيسة كمدير مباشر للمدرسة قد حفزّنا على مجابهة المؤسسة الدينية ( والتربوية في آنٍ معاً) حاملين معنا أفكار ورؤى تدعو الى نبذ الطائفية وتبني العلمانية في المجتمع والدولة. طبعاً لم نكتفي بطرح هذه الشعارت ذلك أننا كنا مسكونين بالهم الوطنيّ والقوميّ .. ووجهتنا دائماً كانت القضية الفلسطينية التي منها تتفرع كلّ القضايا الاخرى. الى جانب الطابع الديني للمؤسسة التربوية هذه، فإنّ مدرستنا كانت- ولا تزال على العموم- تتمتع بقوانين صارمة تبدأ بالمظهر الخارجي للتلميذ حيث كان اللباس المدرسيّ الموحّد وصولاً الى جدية تكاد لا تطاق من قبل المعلمين والاساتذة والمدراء .. طبعاً هناك أستثناءات قليلة في هذا المضمار.

بخلاف وجيه وأيمن الذين لم يلتزما بتيار أو حزب سياسي معين، انتسبت الى إتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني ( وهو الفرع الطلابي للحزب الشيوعي اللبنانيّ) عام 2002 وبعدٍ أشهرٍ عدّة، وجدت ضالتي في الحزب الشيوعي اللبنانيّ. لم يشكّل هذا الامر أية عائق أمام ممارسة ” العمل النضالي” في مدرستنا، بل على العكس فقد بدأ وعيّ السياسي يكبر وإزداد العمل تنظيماً حتى أنه قمنا بتأسيس ” خلية يسارية ” كانت تنظم النشاطات في السر والعلن حيث إستفدنا من عامل أساسي الا وهو وجودي أنا وأيمن ( خلال فترات زمنية متواصلة) في عضوية المجلس الطلابيّ المنتخب من قبل جميع تلامذة المرحلة الثانوية. أذكر أننا خضنا العديد من المعارك الاكاديمية ولكننا دائماً كنا نطعمّها بنفس مطلبيّ أحمر.

عام 2005 كان لصداقتنا المتينة أن تتعرض لاهتزازٍ قويّ حيث أدى إغتيال رفيق الحريري وما تبعه من إنقسام طائفي حاد بين ما بات يعرف بمعسكري 8 و14 آذار إلى إنقسام في المجتمع بأسره. أرخى هذا الحدث بتداعياته الخطيرة على مجمل المشهد السياسيّ. بخلاف أيمن ووجيه الذين كانا في غاية الحماسة  للنزول في مظاهرة 14 آذار، لم أكن بهذا القدر من الحماسة ذلك أنّ الحزب الشيوعي كان قد نأى بنفسه عن حشدي 8 و14 آذار، وقرر أن يسير وقتها في مظاهرة حمراء رفع خلالها شعاراته الخاصة بعيداً عن التجاذبات السياسية التي كانت قائمة. وفي النهاية، شاركنا في تظاهرة 14 آذار مدركين أنه وعلى الرغم من إختلافنا الجذريّ مع هذا الفريق السياسي، الاّ أنه لم يكن بمقدورنا أن نكون خارج إطار الحدث السياسي الراهن.

ومنذ ذلك التاريخ، وقعت ” القطيعة السياسية ” بين الاصدقاء الثلاثة. وجيه كان قد أصبح ناشطاً سياسياً متحمساً ضمن إطار ” قوى 14 آذار ” ثمّ ما لبث أن انتسب الى حركة اليسار الديمقراطي أواخر عام 2005. أمّا فيما خصّ أيمن، فقد قرر بعدها الانتساب الى منظمة الشباب التقدميّ وشغل منصباً قيادياً في قسم الثانويين والتثقيف الطلابي. كنا نعرف وجهة أيمن السياسية منذ أن كنا في المدرسة ذلك أنه يتحدر من الجبل اللبناني وعائلته ذات أصول ” إشتراكية ” وهو كان ينتظر بلوغه الثامنة عشر كي ينتسب الى المنطمة إستناداً الى نظامها الداخليّ.

لم نلتقي البتة في أي تظاهرة سياسية الطابع وكانت لقاءتنا ان حصلت، فتحصل على هامش نشاطات إجتماعية .. أذكر أنني التقيت وأيمن خلال مناسبات عديدة كان أبرزها يتعلق بإستنكار الحرب الاسرائلية على غزة في شتاء عام 2008 .. ثمّ أصبحنا نلتقي في تحركات ذات طابع مطلبي-إجتماعي خاصةً بعد أن إستقال أيمن من منظمة الشباب التقدمي. الاً أن وجيه كانت لديه آراء قاطعة فيما خصّ الاصطفاف السياسي القائم في البلد، الامر الذي حال دون لقاؤنا.

يوم الاثنين الواقع فيه 8 آب 2011، كان أن دعت مجموعة من المثقفين لوقفة تضامنية مع الشعب السوري في ساحة الشهداء. قبل الاعتصام بساعات قليلة، تواصل الاصدقاء مجدداً وبات خبر مشاركة أيمن ووجيه وعطاالله مؤكداً حيث نزلنا الى ساحة الشهداء، كلً حاملاً موقعه السياسيّ وأفكاره التي لم تلغي وقوفنا الى جانب الشعب السوري في سبيل الحرية والعدالة.

شكراً سوريا .. لقد أعدتّي لنا روح الصداقة … وأسهمتي، من حيث لا تدرين، في تقريب وجهات نظر متباينة بين أصدقاء حلموا يوماً بإحتلال العالم!

Advertisements

إجراءات

Information

5 تعليقات

13 08 2011
Siwar

Hey Attalah,

You were very right. I really did like reading this article. Took me back to the old days were you guys would go into heavy discussions and support them with quotes from books and newspapers while the rest of us were worried on where to do our prom. It’s great that u guys still feel as zealous towards a worthy cause. It’s even better that you finally reunited for a worthy cause.
Yalla its time for a class reunion aswell, I still insist there are things that are nicer to discuss than politics 😉 (somethings never change).

Thank you for sharing this article,
Siwar

14 08 2011
Wajih

Good one,but for accuracy reasons dear Ata, you & I had the same political vision even throughout 2005 & 2006. In 05-06-07 i was active in No Frontiers, joined YAD in 07. I remember even going to Witwet & bringing fellow NFers at some point
Wajih

18 08 2011
Trella

صديقي، أكثر من رائع، شكراً

19 08 2011
Hussein

nice one tati 🙂

21 08 2011
Houssein Al Sakha Merhi

الإنشاء والسرد من رائع إلى أروع
ولكن يا رفيق القطيعة بين الأصدقاء لخلاف سياسي ما كان لازم تكون ، كنت لازم تكونوا اوعى من هيك يا شباب…..
هيدا درس للأيام يلي جاي وما حدا بتعلم إلا من كيسوا
مع النصر يا رفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: