مرسيل خليفة: علاقة مضطربة مع جمهوره

17 08 2011

لم يرتبط إسم فنان بتيار سياسي مثل إرتباط إسم مرسيل خليفة بالحزب الشيوعي اللبناني. ولقد سطع نجم خليفة في ثمانينات القرن الماضي بعد ظهوره في مناسبات حزبية أحياها الحزب الشيوعي اللبناني مستفيداً من شرارة إنطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية(جموّل). وطوال مسيرته الفنية، عمل مارسيل على تلحين قصائد وطنية يعود معظمها الى الراحل محمود درويش فكان أن جمع الهم الوطني والمطلبي في آنٍ معاً. أحب اليسار اللبناني مارسيل ذلك أنهم وجدوا فيه ضالتهم الثورية وكان الصوت الثوري الذي رددت أصداء أغانيه- ولا زالت- أثناء التظاهرات المطلبية التي تنظمها القوى اليسارية وعلى رأسها طبعاً الحزب الشيوعيّ، الاّ أن علاقة مارسيل بجمهوره بدأت تأخذ منحى تراجعياً منذ مطلع التسعينات عندما شرع مارسيل في تطوير مسيرته الفنية بعيداً عن خطه السياسي معتبراً أن الموسيقى هي بحد ذاته قضية إنسانية.

دعونا في البدء القول أنّ أزمة علاقة مارسيل مع جمهوره الشيوعي لا تنسحب على مارسيل فحسب، بل كانت أزمة جيل بأسره ممن عايش هموم الحرب الداخلية والاجتياح الاسرائيلي لبيروت، وما نتج منهما من تدمير أصاب جسد اليسار بعد أن تفككت أوصال الحركة الوطنية عدا عن الخسائر البشرية والسياسية التي مني بها اليسار اللبناني. لذا فضًل بعض رجالات الفكر كما السياسة ترك وحول السياسية الداخلية وهجرة التنظيم الحزبيّ، بعضُ من هؤلاء ظلّ متبنياً الفكر اليساري كحال زياد الرحباني مثلاً والبعض الاخر إنتقل الى المقلب الاخر كأحمد قعبور مثلاً .. الاً مارسيل لم يكن من هذا الصنف أو ذاك .. فكان أن أسّس لعلاقة مضطربة جداً مع جمهوره بدأت بإبتعاده عن العاصمة بيروت.

مارس مارسيل خليفة نوعاً من ” الاستعلاء الفكري”  على جمهوره، فعندما كان يحيي ” الرفيق مارسيل ” حفلات في دول المغرب العربي والدول الاوروبية كان يستعمل مخزونه الثوري، أي الاغاني التي سطع نجمه من خلاله. أمّا عندما يحين موعد حفلاته في بيروت ( أو بكلامٍ أدّق أمسياته الموسيقية)، كان يرفض البتة تقديم هذه الاغاني مكتفياً بتمنين الجمهور في أحسن الاحوال بأغنية ” أحن إلى خبز أمي ” أو ” بين ريتا وعيوني بندقية”. من هنا كانت لعلاقة مارسيل أن تنحو بمسارٍ سلبي مع جمهوره وبدأ مارسيل عندها في رحلة البحث عن ” فئة جديدة ” من الجمهور علّه يوسع دائرة مستمعيه. طبعاً نحن لا نلقي اللوم على فنان أراد أن يوسع مروحة جمهوره فذلك بطبيعة الحال من الامور المنطقية والبديهية لاي فنان يطوّر مسيرته الثقافية. الاّ أن هذه المحاولة خيبت آمال جمهوره الاساسيّ.

لقد أطلق مارسيل ” فرقة الميادين ” وشكّل مع الفنانة أميمة الخليل ثنائياً غنائياً تجانس فيه عذوبة صوت الخليل مع موسيقى مارسيل الهادئة. بعد سنوات عدة على رحيله المؤقت من بيروت، عكف مارسيل على إظهار ولديه بشار ورامي الذين درسا الموسيقى في العاصمة الفرنسية باريس. بدأ الاخوة بمشاركة الاب في رحلته الموسيقية الجديدة وكان أن أصدر مارسيل عدة إسطوانات تتضمن مقطوعات موسيقية لم يستسيغها جمهور اليسار- طبعاً يوجد إستثناءات في جميع الامور. ظلّ مارسيل في موقع الرافض لتقديم إرثه الموسيقي في بيروت محاولاً إقناع جمهوره بمحاولة نزع ” الطابع السياسي ” لموسيقاه ، الاّ أن الامور تعقدت وكانت أن وصلت الى مرحلة الطلاق الرسمي بين مارسيل وجمهوره الاحمر. وزاد الطين بلّة قول مارسيل في برنامج ” خليك بالبيت ” والذي يقدمّه الاعلامي زاهي وهبي في معرض رده على سؤال يتعلق بهواجس جمهوره الاساسي بأنه يغني للانسان مهما كان دينه أو لونه أو شكله، وكان أن ظهر وقتها مرتدياً منديلاً أزرق اللون ولم يسلم من إتهام الجمهور له بأنه أصبح منحازاً الى فريق سياسي معيّن في زمن إرتطبت فيه الالوان بالهويات السياسية. 

ظهرت مؤخراً فصول جديدة في معركة الجمهورين الذين صنعهما مارسيل: جمهور اليسار الملتزم بالقضايا الوطنية والقومية، وجمهور الطبقة المخملية والتي كان بمقدورها أن تدفع ثمن بطاقة يناهز مئتي دولار أميركي لحضور أمسية من أمسيات مارسيل الموسيقية. تواجه “الجمهورين ” خلال الحفلة التي أقامها في أسواق بيروت ( سوليدير) خلال شهر حزيران الفائت، وإنسحب بعض الرفاق من الحضور معتبراً أنّ مارسيل لا يزال غير وفيّ لخطه السياسي. وفي حقيقة الامر، هناك بعض المسائل الموضوعية والتي لا بد من أن نأخذها في عين الاعتبار إذا ما أردنا أن نحلّل هذه الظاهرة الا وهي: آليات تفكير الجمهور. غالباً ما يعوّد الفنان جمهوره على نمط معين من الاعمال ومن الصعب جداً إذا ما غيّر الفنان في طبيعة الاعمال تلك، أن يقنع جمهوره بصوابية التغيير. فالجماهير تصبح عندئذٍ عالقة في صورة نمطية صنعها الفنان والجمهور أو ما يعرف بإسم Stereotypes  وهذا ما حدث بالفعل في حالة مارسيل خليفة. الحالة هذه تجلت عندما شارك في الوقفة التضامنية مع الشعب السوري والتي نظمتها مجموعة من المثقفين اللبنانيين حيث إعتبرها البعض ( وخاصةً من أهل اليسار) بأنها إنحياز لفريق سياسي بعد مشاركة عدد من الوجوه السياسية المحسوبة على هذا الفريق في الاعتصام المذكور. خلاصة القول أنّ مشاركة مارسيل في هذه الاعتصام ما كانت أن تتحول الى قضية إشكالية لو لم يكن لهذا الفنان  علاقة متأزمة مع جمهوره كما أسلفنا.

ترصد بعض الاوساط الثقافية مسار ” عودة ” مارسيل خليفة الى جمهوره الاساسي وذلك منذ العام 2007 بعد رحيل توأم مشواره، الشاعر محمود درويش. حينها بدأ بتجديد موسيقاه لتلاقى صدى قصائد درويش كما ساهم في مسلسل ” في حضرة الغياب ” والذي تعرضه حالياً عدة قنوات تلفيزيونية. وتفسر تلك الاوساط بأن حماسة مارسيل الاخيرة تأتي في خضّم التحولات التي تعيشها المنطقة العربية بأسرها، فيما تعتبرها أوساط أخرى محاولة جرئية من خليفة لركوب موجة الثورات العربية!

ملصق حفلة مارسيل المرتقبة

ملصق حفلة مارسيل المرتقبة

وفي هذا السياق، سيحيي مارسيل حفلة غنائية في ملعب صيدا البلدي يوم الجمعة الواقع فيه 16 أيلول وذلك لمناسبة الذكرى ال 29 لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. إن الحفلة بحد ذاتها وردود الفعل عليها ستشكلان مفصلاً اساسياً في ترقب تطور علاقة مارسيل مع جمهوره الاحمر التوّاق الى سماع أغاني ثورية في زمن الثورات العربية، على أمل الا يخيب ظننا هذه المرة خاصةً أن لهذه المناسبة وجداناً خاصاً يسكن في قلب مارسيل كما في قلوب جميع الشيوعيين واليساريين.

في الحلقة القادمة- زياد الرحباني: علاقة الحب الابدية مع جمهوره

Advertisements

إجراءات

Information

4 تعليقات

18 08 2011
Saad K (@SeenKaf)

تحليلك ضعيف و معلوماتك مغلوطة…مارسيل خليفة من ال2007 لليوم ما قدّم غير أمسية واحدة مع أولاده و اللي كانت مش عند حسن ظن “الرفاق” ياللي معتبرين حالن لسّا متمسكين بالقضية و عم يقاوموا بكم مظاهرة و هتافات لا تسمن ولا تغني من جوع..ببيت الدين سنة ال2009 جاب أوركيسترا الشباب الفلسطيني و معظمهم كانت أول مرة بيشوف لبنان و منهم كانت أول مرة بيطلع برّات فلسطين…و رجع عزف أغاني ثورية متل يا بحرية…هيدي أمسية فنية للطبقة المخملية كمان؟؟؟! مع العلم انو حتى حفلتو مع ولادو ما كانت للطبقة المخملية ابداً بما انو كان في بطاقات ب15000 يعني ارخص من حفلة صيدا تبع “الطبقة الكادحة”. بعدين الدعوة كانت واضحة و كان مفروض العالم تعرف انو هيدي مش حفلة لمارسيل، هي حفلة لمارسيل و رامي و بشار…ياللي كل واحد منن عندو اسلوب موسيقي خاص في و انا بصراحة كتير حبّيت المزيج اللي صار عالمسرح

بخصوص اضائة الشموع كرمال سورية…مارسيل دعا لهالتحرك مع اشخاص متل سهى بشارة و الياس خوري و غيرن من المثقفين و اصحاب الصفحات البيضاء…مش ذنبهم اذا فتفت الواطي قرر يجي…الدعوة كانت عامّة و ما كان معروف مين جاي….غير انه مارسيل كان تحت مع كتير من الناشطين المستقلّين و الداعمين للثورة السورية، من بين 400 شخص العالم ما شافت إلا فتفت؟؟؟ شو هالمسخرة…و صراحة، كتير صايرة مواقف الأحزاب اليسارية و مبادئها بتخزي…متل موقف الحزب الشيوعي من الثورة السورية مؤخراً…ما بينلام انو بطّل ضمن اطار “الحزب الشيوعي”

اللوم مش ع مارسيل اذا راح ع أوروبا و غيرها لحتا ينشر الموسيقى الشرقية و يبهر الغرب بمقامات الموسيقى الشرقية…و بينما كان عم يعلّم الموسيقيين الأوروبيين يطلّعوا النص نوتا على آلاتن، كانوا “الرفاق” قاعدين ينظّروا من بارات الحمرا و الدانكن دوناتس…

المقاومة الموسيقية مش بس بالأغاني الثورية…سماع كونشرتو الأندلس او الكونشيرتو العربي او غنائية أحمد العربي و بتفهم شو كان عم يعمل مارسيل برّات بيروت…و ما بينلام لأنو فل من بيروت، بعد الحرب الأهلية صار البلد ما بينعاش في أكتر من قبل و صار الفنان ما بيتقدّر الا لمّا يموت.. بشقفة حديدة و بوكيه ورد

ع كل حال، بعتذر اذا تقلّت بالحكي بس صراحة كتير سامملي بدني الموضوع و شايف انو في قصر نظر بما بيتعلق بشو قدّم مارسيل و شو بعدو عم يقدّم للمنطقة

تحياتي

18 08 2011
atallahalsalim

صديقي، لا تخلط المواضيع ببعضها البعض.
أولاً : أنا لم أنتقد جمهور ” الطبقة المخملية ” لمارسيل بل على العكس لقد إنتقدت الرفاق الذين يعرفون مسبقاً بأن مارسيل لن يقدم الاغاني المحببة لهم ولكنهم يحضرون الحفلة وفي هذا مغالاة واضحة كما بينت بالاسباب الموضوعية.
ثانياً: أنا لست بموقع ناقد موسيقي ليقيّم أعمال رامي وبشار الموسيقيين، للمقال هدف واضح ألا وهو رصد حالة المد والجزر بين مارسيل وجمهوره .. ولست مدعياً بأني ناقد موسيقي.
ثالثاً: أنا لم أقيم مشاركة أو عدم مشاركة مارسيل في الوقفة التضامنية مع الشغب السوري الاً من منظور علاقة هذا الفنان بمحيطه وجمهوره وأنا لم أستنكر أساساً مشاركته فهذا رأيه الشخصي .. وهنا حرفية الكلام في هذا الموضوع: ” خلاصة القول أنّ مشاركة مارسيل في هذه الاعتصام ما كانت أن تتحول الى قضية إشكالية لو لم يكن لهذا الفنان علاقة متأزمة مع جمهوره كما أسلفنا.”
رابعاً: أرجو الاّ تمزج الشخصي والسياسي في مقال لم يرد له أصلاً أن يقيم نشاطية الرفاق ولا صوابية مواقف الحزب الشيوعي اللبناني، فإن أردت أت تعبّر عن هذه المواقف هناك متديات عديدة تستطيع من خلالها التعبير عن رأيك.
خامساً: أنا لم أحكم مسبقاً على ردّة فعل الجمهور إزاء حفلة 16 أيلول المرتقبة بل تركت الاجابة مفتوحة على جميع الاحتمالات.

18 08 2011
Saad K (@SeenKaf)

انا فعلياً ما كنت عم رد الا بأول مقطع و مش كناقد موسيقي، بس معلوماتك غلط…في حفلة بيت الدين و حفلة صور اللي صاروا بال2009، مش يعني اذا عمل “أمسية” مع ولاده صاروا الباقيين أمسيات، حفلة بيت الدين كانت ملحمة مش أمسية! و كانت أكتر مرة بحس حالي فلسطيني…
و بما انو مقالك فاتح المجال للتساؤلات و التحليلات، هيدا بالزبط اللي عملتوا من تاني مقطع و بالرايح…اكيد ما عم بتهمك انو انتقدته بخصوص الموضوع السوري لأنو قريت مقالتك السابقة حول مشاركتك بالإعتصام..

18 08 2011
وفاء

مؤسف جدا وضع الشعب اللبناني .. متمزق حتى النخاع سياسيا ومذهبيا وحتى فنيا ؟!!!! كيف لك ان تحلموا بمستقبل مشرق وانتم تعيشون في خنادق الحرب الأهلية والطائفية وحتى الفنية ؟؟!!! اتركوا ابن بلدكم الليناني الأنسان الكبير مارسيل خليفة يغني ويجدد موسيقاه ويحلق كقطرس في فضاء الحرية والأبداع والأحساس المرهف الذي قتل في قلوب معظم الناس – واللبنانيين بصفة خاصة – اتركوه يغرد خارج سرب حروبكم ورصاصكم الذي يقتلكم ويقتل غيركم .. فن مارسيل خليفة لا انتماء له ولا جنسية له ولا حزبية ولا مذهبية له أتركوه وشأنه فله لبنانيته الخاصة ولبنانه الخاص ولكم لبنانكم الخاص الجريح الممزق .. لا تلوثه بدخانكم ولا تؤذوه بنيرانكم وليتكم تتعلمون منه الحب والصدق والأنسانية .. مارسيل خليفة خسارة فيكم يا أهل الحزبية والطائفية والمذهبية .. حلق يا مارسيل بعيدا عن هذه الأجواء ونحن معك ولا تلتفت خلفك فالفضاء هو عالمك وعالم كل الأصفياء الأنقياء الأوفياء …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: