تيار المستقبل: تحويل 14 شباط الى ” كربلاء سياسية ” في الوعي الجمعي السنيّ

31 08 2011

في سنوات حكمه الطويلة، كان ينظر إلى رفيق الحريري على أنّه الزعيم السني الاول في الساحة السياسية في لبنان بعد أن أحكم سيطرته بإقصاء زعامة الحص التقليدية وتهميش بعض القوى الاسلامية. لم تتكتل الطائفة المسلمة السنية في بوتقة حزبية واحدة وهذه حقيقة مردها الى أن بورجوازية الطائفة السنية أدّت دوراً محورياً في تكوين لبنان الكبير حيث أدى الثنائي السني- الماروني الى وضع أسس ما عرف بالميثاق الوطني الموقّع من قبل رياض الصلح وبشارة الخوري  . وكان أن وضعت الاسس الفلسفية للنظام الاقتصادي اللبناني مع ميشال شيحا محدداً العلاقة الوسطية للافتصاد اللبناني بأنه ” إقتصاد وسيط بين الشرق والغرب ” وبات لبنان جمهورية التجّار مع سيطرة أوليغارشية مالية على حركة تبادل البضائع والسلع في ظلّ تقسيم أدوار واضح بين الموارنة والسنة آنذاك حكم الحياة السياسية منذ إعلان إستقلال لبنان عام 1943 وصولاً للحظة إندلاع الحرب الاهلية عام 1975.   

إذاً، لم يشأ السنة التقوقع في إطار حزبي ضيق ذلك أن مصالح بورجوازية الطائفة السنية كانت متشابكة مع مصالح النظام الاقتصادي- السياسي القائم ولم يكن للسنة أية دوافع للتغيير. ولم ينتسب السنة في هذا الاطار الى التشكيلات السياسية القائمة وإن كان الجمهور الاعظم من الطائفة السنية مناصراً للمد الناصري في خمسينات وستينات القرن الماضي، الاّ أن هذا الامر لم يتحول الى عصبوية سياسية أو حزبية وتابعت الطائفة السنية في شق طريقها في السياسة اللبنانية على نحو المثل الشائع ” ضربة ع الحافر، ضربة ع المسمار”، الى أن تموضع السنة في إطار الحركة الوطنية بعد أن أضحى الفرز سياسياً بإمتياز بعد إندلاع الحرب الاهلية.

رفيق الحريري: رئيس الحكومة اللبنانية 92-98 ثمّ 2000-2004

في جمهورية الطائف، لعبت الطائفة السنية عبر رفيق الحريري تحديداً  ( أحد عرابّي تسوية الطائف) دوراً محورياً في إرساء وتدعيم المحاصصة الطائفية حيث أتى الاتفاق نتيجة تسوية سورية-سعودية-أميركية. وضمن هذه التركيبة، كان ينظر الى رفيق الحريري على أنه الرجل الاقتصادي القويّ ذو العلاقات الديبلوماسية القوية. إرتضى رفيق الحريري- ومهما نظّر أصحاب الشأن مبرهنين عكس هذا الامر – الدور المرسوم له أي تعميم ثقافة المال والرشى لكل من عارض السياسات الاقتصادية للحكومات الحريرية المتعاقبة موزعاً أمواله يميناً ويساراً لاشخاص وجمعيات ووسائل إعلامية وصحف يومية لسنا في شرح أسبابها الان. وفي علاقة رفيق الحريري بجمهوره الطائفي، مدّ وجزر حيث إستطاع الحريري شدّ عصب الجمهور السني بعد إقصائه من سدة الرئاسة خريف عام 1998 وتوّج هذا الامر بإكتساح لائحة الحريري جميع مقاعد العاصمة بيروت في الانتخابات النيابية التي أجريت في صيف عام 2000.

ضمن هذا السياق، كانت الطائفة السنة تطلب المزيد من هذا الرجل في ظلّ تعطشها لقائد يحاكي تطلعاتها وهي الطائفة التي لم تصنع- في تاريخها السياسي الحديث- أية زعامات بل أتت زعامات هذه الطائفة إما بفعل الاقطاع العائلي- التوريثي أو بقوة المال وفي بعض الاحيان بفعل العاملين معاً. وقف رفيق الحريري عند هذا الحد في علاقته بجمهوره الطائفي وهو، كباقي الزعماء الطائفيين، أنشاً مؤسسات رديفة للدولة وإن كانت بطابع إجتماعي- تربويّ الا أنه وفي إدراته لهذه المؤسسات أراد أن يقول لانصاره من الطائفة السنية أننا موجودون مثلنا مثل باقي الطوائق، ولدينا مؤسسات تقدم الخدمة العامة للمواطنين سواء عبر المنح الطلابية ( مؤسسة رفيق الحريري)، أو عبر ضخّ مواد إعلامية-ترويجية لسياسة الحريري( تلفزيون المستقبل)، وغيرها من المؤسسات الاعلامية والثقافية والتربوية والاجتماعية.

وفي حقيقة الامر، يعود سبب تمنّع رفيق الحريري من لعب ” الدور المنشود له ” من قبل أنصار الطائفة السنية لسببين رئيسيين:

السبب الاوّل: كان رفيق الحريري ينظر إلى نفسه بأنه الرجل الاقتصادي الاقوى في منظومة الحكم آنذاك، وبالتالي يفترض بموقعه ضمن التركيبة البورجوازية اللبنانية أن يكون خارج التأثيرات الطائفية والمذهبية، ذلك أن مصالحه الاقتصادية كانت تضطره إلى مسايرة الجميع في الحقل السياسي.

السبب الثاني: لم يتحمس أنصار رفيق الحريري بإستثناء فترات معينة لانشاء حالة حزبية ذلك أن العوامل التاريخية، كما أسلفنا في بداية المقال، لم تكن مشجعة في هذا الاتجاه. كرّر رفيق الحريري وفي أكثر من مناسبة إعلامية رفضه لانشاء حزب سياسي وذلك إدراكاً منه بصعوبة إقناع جمهوره ” بالنضال السياسي”. وهذا يعود في أساسه لغياب القضية السياسية التي سيرفعها مثل هذا الحزب في ظلّ سيطرة الطغمة المالية المرتبطة بالحريري نفسه على مفاصل الادارة اللبنانية.

الحريري لحظة إستشهاده: ضحية المصالح الدولية نفسها التي أوصلته الى سدّة الحكم

يوم الاثنين الواقع فيه 14 شباط 2005، وبعد ساعات قليلة على إغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري، هتقت الجموع المحتشدة لبهاء الحريري ( الابن الاكبر سناً ) وذلك قبل أن يتولى سعد الدين الحريري مقاليد السلطة لاسباب عديدة، الاّ أنّ ما يعنينا في هذه الحادثة أنه- ومنذ لحظة إستشهاد الحريري- حاكت الطائفة السنية العقل الباطني لمنطق الوراثة السياسية وراحت تبحث عن ” خليفة سياسية ” بعد أن أصبح للطائفة السنية شهيداً تستطيع من خلاله إنشاء حالة حزبية عرفت لاحقاً بتيار المستقبل والذي تحوّل بدوره الى حزب سياسي منظم في ربيع عام 2010.

إذاً .. لقد عانت الطائفة السنية وخلال مشوارها الطويل في سنوات السلم الاهلي من غياب القائد الملهم على عكس باقي الطوائف والتي إما ورثت قيادتها بعد الحرب أو تهمش دورها السياسي بعد إقصاء قيادتها. الاّ أن تاريخ الرابع عشر من شباط عام 2005 سيحفظ للطائفة السنية محاولتها تحويل هذه المناسبة الى ” كربلاء سياسية ” علّها تصنع بعد إستشهاد زعيمها الاول  “مظلومية عاطفية ” تحولت فيما بعد إلى مكاسب سياسية!

في الحلقة القادمة- حزب الله: عندما تصنع فائض القوة محدوديتها

Advertisements

إجراءات

Information

One response

2 09 2011
Reader Reader

الرفيق عطالله (وكلمة “الرفيق” هنا خالية من أيّة تلوينة ثورجيّة حمراء)،
لدى قراءتي عنوان مقالكم أعلاه، توقّعت أنّني داخل على مقاربة مشوّقة تحاكي الإمتداد التاريخيّ الشاسع ما بين استشهاد الإمام الثالث في كربلاء واستشهاد الحريري الأوّل في بيروت (مقاربة دون مقارنة بين الرجلين حيث أن حتى قمم المغالاة لا تحمل هذا)، ليتمحور من بعدها الإستنتاج حول أنّ الأخير قضى في معركة أخرى من معارك حرب علي ومعاوية، وهي نظريّة مقبولة نسبيّا وإن كنت لا أقتنع بها. ولكنّني تفاجأت حينما قرنتم بشخص الرئيس الحريري تلك القيمة “الزعامتيّة” التي لم يكن الحريري نفسه ليسعى إليها وهو الأعلم أنّ مجيئه إلى السلطة وغيابه عنها ما هما إلّا نتيجة مشاريع ومصالح إقليميّة شاملة بأبعاد إقتصاديّة واّجتماعيّة بحتة وحسابات أكبر منه بكثير.
والنقطة الأهم هي أنّه لم يكن لسنّة الإسلام ولن يكون لهم يوما حاجة لأي كربلاء ما داموا لم يتحوّلوا عدديّا وديموغرافيّا إلى أقليات مبعثرة هنا وهناك حال الشيعة المحتاجين كربلاء أو اليهود إلى المحرقة وغيرهم ممّن يحتاجون دوما إلى قضيّة جامعة تحاكي العاطفة الجماعيّة لتولّد تراصفا واصطفافا يعوّض النقص العدديّ. لذا، فاستشهاد الرئيس الحريري ليست سوى عنوان لفصل ومرحلة يقام باستنزافه إلى حين إيجاد عنوان أفضل لفصل آخر.
الرئيس الحريري رحمه الله ليس عمر بن الخطّاب ولا صلاح الدين، والسنّة يعلمون هذا قبل سواهم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: