الرأسمالية: بين ثقافتي البوتوكس واللوتوكس

20 10 2011

يقدّم عدد كبير من المصارف اللبنانية قروض ميسرة لتغطية نفقات عمليات التجميل التي تحولت الى بدعة لبنانية صدرّها اللبنانيون الى الخارج حتى أن أطباء لبنان في الخارج باتوا إختصاصيين في هذا المجال ولا يضاهيهم أحد في هذا المجال. المضحك المبكي في هذا البلد أنّ المواطن اللبناني ينفق على الكماليات بشكلٍ جنونيّ عملاً بالعبارة الشهيرة التي يرددها المجتمع متأثراً بال Mainstream, قائلاً ” اللبناني عييّش” و ” كيف ما بتحطو بيجي واقف ” .. بس واقف ع شو، الجواب ببساطة بوتوكس ولوتوكس وما بينهما.

لطالما شكّل الاعلام عاملاً أساسياً في تغذية إتجاهات الرأي العام وفي فنّ الدعاية، يتقن الرأسماليون فنون الجذب الاعلامي مستفيدين من سهولة إقناع المواطن اللبناني بأي منتج إذ أن اللبنانيّ يميل الى الاستهلاك بما يفيض حاجته وذلك إرضاءً لعقدة نقص تاريخية وثقافية.

عقدة النقص التاريخية: إخترع العالم بأسره هذا ” اللبنان ” .. الطوائف في لبنان هي التي شكلت الدولة لذا لا أحبّذ كثيراً نعت الدولة اللبنانية بالدولة الطائفية بل بعبارة أكثر تحديدا يمكن تسمية لبنان بدولة الطوائف. لقد شكلّت الرواية الدعائية للكيان اللبناني داعماً أساسياً في ترسيخ فكرة نشوء الدولة اللبنانية في سياق موضوعي كمحاولة لمحاكاة المسار المتدرج الذي سلكته الدول الاوروبية في القرنين السادس والسابع عشر عندما تأسست الدولة-الامة The Nation State. الاّ أن هذه الروايات التي حاولت أن تربط بين العمق الفينيقي الموجود في المحيط الجغرافي لهذه الدولة و كيانية الوطن اللبناني باءت بالفشل، إذ تعمل النخب الحاكمة جاهدةً  في سبيل إختراع هوية تاريخية غير موجودة بالاصل، لتثبت أصالة هذا الكيان. نظّم مارسيل غانم (وهو أحد مروجيّ ال Mainstream  مساء كل خميس)، حلقةً كاملةً عن جذور اللبنانيين مستضيفاً بيار زلوعة الاختصاصي في علم الوراثة الاّ أن التوقعات البيدر لم تأتي في حساب حقل مروجّي بدعة التاريخ الاصيل إذ بينت الدراسات ان خمس اللبنانيين الحاليين فقط هم من أصل فينيقي وأنّ معظم اللبنانيين الموجودين حالياً يعودون الى أصول مختلفة نتيجة تمازج الحضارات والأعراق، وتبين ان مارسيل غانم يعود الى أصول أثيوبية. محاولة أخرى فضحت عقدة النقض هذه عندما اكتشف أن ألحان النشيد الوطنيّ اللبناني سرقت من بلاد المغرب .. فظاعة هذا البلد، لا ييأس من محاولات إستيراد تاريخ معين ولكنّ تاريخية الكيان تتجلى دائماً في إنتاج أكبر صحن تبولة وحمص وكبّة نيّة في بلدٍ حبذّا لو يتغير نشيده الوطني ليصبح على أنغام أغنية أمين عمين ( الممثل الانتقادي الساخر نعيم حلاوي):

سيليكون شفافيفك بظبظ بوقك وإبتساماتو

سيليكون شفايفك نافخ رافخ على جمراتو

عقدة النقص الثقافية: يغالي اللبنانيون في إظهار تفوقهم الثقافي والذي يعد برأيي إمتداد لعقدة النقص التاريخية. بظن اللبناني نفسه محور العالم Egocentric ، وباله دائماً مشغول في إظهار أن بإمكانه فعل أمور عدة يعجز الاخرون على فعلها. هل تذكرون الكليب الدعائي ” مش هين تكون لبناني ” . إنّ هذا الكليب بحد ذاته يظهر أنّ أفعال التعب والشقاء والنضال هي حصراً إختراع لبناني عريق:

http://www.youtube.com/watch?v=UgwkO4rp0F8

في الفيلم الدعائي هذا تصوير طفل وأم وعامل وعجوز .. وكأنّ هذه الشخصيات هي موجودة حصراً في لبنان أو كأنّ شعوب العالم الاخرى لا تتعب … هي محاولة أخرى للقول: نحن ولا أحد، نحن أصل الحكاية، نحن بناة هذا الوطن.

في مقاهي لبنان، خاصةً تلك التي تقدّم النارجيلة، يظهر الهبل الاجتماعي وذلك عندما تتحول هذه الاماكن العامة من أماكن للمحادثة الاجتماعية بين الاهل والاصدقاء الى نوع من ” برستيج ” إجتماعي يزايد فيه المواطنون اللبنانيون على بعض من خلال تباهيهم في إستهلاك أحدث ما أنتج من السيارات والهواتف والحاسوب المحمول وغيرها.

قل لي كيف للمواطن اللبناني أن يتعب وهو الشعب الذي لم يقم بثورة إجتماعية واحدة في التاريخ السياسيّ الحديث!

بعد هذا السرد، كيف تتعاطى الطبقة الحاكمة الرأسمالية مع الواقع الاجتماعي

المثل الاول: لا تمتلك الدولة اللبنانية حد أدنى من رؤية إقتصادية وإجتماعية لمعالجة المشاكل المستعصية، اذ تاتي معظم البيانات الوزارية لتعيد نفس الكلام فيما خصّ الاصلاح السياسي والاقتصادي دون وجود خطط عمل قطاعية مربوطة بجدول زمني للاصلاح. ولعّل الطريقة التي تعاطت فيها السلطات الرسمية مع موضوع تصحيح الاجور يبين كيف أن الدولة أصبحت ” طرف ثالث محايد ” بين أرباب العمل من جهة متمثلين بالهيئات الاقتصادية والعمّال من جهةٍ أخرى. تقارب الدولة اللبنانية، بأركانها المختلفة، موضوع التنمية الاجتماعية من باب المكرمات والعطاءات المالية. تبيّن ممارسات اللبنانيين تهافتهم الكثيف نحو المحال التي يتوافر فيها قسائم اليانصيب الوطني في ظلّ دعاية رسمية غير مسبوقة حتى أنه أصبح لدينا مديرية عامة لليانصيب الوطنيّ وبحسب أرقام مشروع موازنة عام 2011، فإن عائدات المديرية تبلغ 88 مليار ليرة لبنانية. حبذّا لو يستعملها القيموّن على الانماء المتوازن على إمتداد الاراضي اللبناني. إذاً تشجع الطبقة الحاكمة اللبنانيين على إدمان اللوتو بدلاً من إيجاد حلولاً ناجعة لازمات إجتماعية باتت مستعصية على الحل!

المثل الثاني: أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية يوم الاثنين الماضي في 17 تشرين الاول برنامج ” دعم الاسر الاكثر فقراً في لبنان” بحضور أركان السلطات التشريعية والقضائية. ما يعنينا في الموضوع ليست تفصيل محاور البرنامج ( والتي أعدكم بتفنيدها في القريب العاجل)، الاّ أنّ اللافت طريقة مقاربة الموضوع. فالدولة طلبت من الفقراء الذين سيستفيدون من برنامج الدعم هذا التوافد الى مراكز الشؤون الاجتماعية في الاقضية اللبنانية المختلفة وذلك لتعبئة إستمارة Application، تتعرف من خلالها الوزارة على فئات الفقراء وتقرر بعدها اشكال الدعم بدلاً من توافر قاعد بيانات مركزية تستطيع من خلالها الدولة أن تستهدف بنفسها من تراه بحاجة لذلك. حسناً .. هل يعلم هؤلاء الساسة ” البهايم ” أن فقراء هذا البلد لا يستطيعون تحمّل أكلاف التنقل من وإلى المراكز المحددّة لملىء إستمارة البرنامج!

بئس دولة لا تعرف فقراؤها!

بئس شعب لم يعترض يوماً الاّ على التكلفة العالية لخدمات ” البلاكبري “!

Advertisements

إجراءات

Information

One response

20 10 2011
salimallawzi

(y)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: