الربيع العربي والمخاض العسير-1-

10 05 2012

لست من مؤيدي نظرية المؤامرة عندما يتعلق الامر بتحليل أسباب ودوافع ” الربيع العربي”. باعتقدادي، أن الشعوب العربية كان (ولا زال لديها طبعاً) مئات الاسباب المباشرة التي تدفع بأي شعب لاي ينهض ويثور، بعد سنوات طويلة من القمع والتنكيل وغلبة الحياة الامنية على الحياة السياسية وما تبعها من إختصار الفضاء العام في كل البلدان العربية دون إستثناء.

أمّا وقد بدأت التمظهرات السياسية لحركة الشعوب بالظهور في بعض البلدان كمصر وتونس واليمن وليبيا. أمكننا الحكم على مسار هذه الثورات في سعي منّا لتصويب حركتها وليس لذمها والقول أنها ليست ثورات. برأيي، اي حركة تقوم بها الشعوب هي خطوة مباركة بعد سنوات من الثبات والركون.

سنحاول في الجزء الاوّل من المقال تبيان الاسباب الخارجية التي أدت بالربيع العربي الى حرفه عن مساره الطبيعي و تحوير أهدافه ولجم منطلقاته التواقة الى التغيير الجذري على أن يتناول الجزء الثاني الاسباب الداخلية مع ذكر خصوصية كل بلد عربي.

إذاً نحن أمام السؤال- المعضلة: لماذا لم تتمكن ” الثورات ” من السير بإتجاها الصحيح؟

تكون حلف إقليمي-دولي مناهض لحركة الشعوب

الطرف الاوّل: الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا

ولّد الحراك الشعبي العربي إرتباك بين صفوف المجتمع الدولي وقواه الاساسية. فرض الحراك ” أجندة غير مستحبة ” لادارة أوباما والتي كانت قد حددت أولويتين اساسيتين خلال الخطاب الذي ألقاه أوباما في جامعة القاهرة في ربيع عام 2009، وهاتين الاولويتين تتعلقان بإعادة المفاوضات الاسرائيلية-الفلسطينية ( ومن أجل ذلك بدأت الرحلات المكوكية لجورج ميتشل في المنطقة سعياً منه الى إعادة بعض من الحراك الديبلومسي للنزاع الفلسطيني-الاسرائيلي بعد تجميده إبان عهد بوش). أما المسألة الثانية فيمكمن إختصارها بالازمة الايرانية وذلك عبر تقديم سلسلة من الحوافز من قبل مجموعة 5 زائد واحد، الاّ أن هذه الحوافز سرعان ما سقطت ما جعل أميركا والدول الاوروبية تضيّق الخناق على إيران عبر الحصار الاقتصادي والمصرفي، فكان أن أصدر مجلس الامن قرارات بهذا الشأن كان اكثرها عام 2010.

في نهاية عام 2010 كانت الحركة الجماهيرية في تونس بدأت بالظهور. إبان انطلاقة التظاهرات، لم تكترث الادارة الاميركية لهذا الامر ظانةً أنها مسألة عابرة كان يمكن أن تنتهي ببضع إصلاحات سياسية وإقتصادية الاّ أن الامر انتهى بتنحي بن علي.

إرتبكت الادارة الاميركية أكثر عندما إشتد وقع المظاهرات في مصر .. ذلك أن مصر حليفتها الاساسية في العالم العربي أو ضمن ما يسمى ” دول محور الاعتدال العربي “. لقد تم تحييد الجيش عن لعب دور القامع للثورة، وفي هذا دلالة على قرار سياسي أميركي قام بتدعيمه الشعور العام للشعب المصري تجاه جيشه والذي يتسم بكثير من الاحترام والتقدير لانه خاض حروب ومعارك عسكرية ضدّ العدو الصهيوني.

كان من الطبيعي بعدها أن تحسم الادارة الاميركية قرارها وتقول صراحة عبر المتحدث بإسم البيت الابيض بأن الادارة الاميركية تفضل تنحي مبارك، ويعود هذا التصريح الى التاسع من شباط أي قبل تنحي مبارك بيومين فقط.

خلاصة الامر إصطفت الولايات المتحدة وأوروبا مع حركة الشعوب مدركةً أنّ ليس بإستطاعتها أن تكون ضد حركة التاريخ ومدركةً طبعاً صوابية هذا الموقف عندما بدأ التحرك الجماهيري السوري في 15 آذار من عام 2011 لما لهذا ” الانحياز ” من مصلحة أميركية مباشرة في الميدان السياسي.

الطرف الثاني: دول الخليج العربي

لم يكن يوم 14 شباط 2011 يوماً غير ذي مغزى بالنسبة الى العالم العربي. فقد بدأت الحركة الجماهيرية في البحرين مسيراتها السلمية إنطلاقاً من دوار اللؤلؤة والذي سرعان ما أصبح رمزاً للحراك البحريني.

أدركت السعودية وقتها خطورة ما يمكن أن ينتج عن الحركة الجماهيرية البحرينية الاخذة بالتصاعد لما له إنعكاسات تتعلق بأحوال المملكة وشؤونها الداخلية فضلاً عن الحراك الاجتماعي المتصاعد في جنوب السعودية على خلفية سوء توزيع الثورة. حينها حشدت دول مجلس التعاون الخليحي كل الدعم السياسي والعسكري لهذا المجلس لقمع الانتفاضة فأتت بقوات درع الجزيرة وأزاحت دوار اللؤلؤة في آذار 2011. ولكن المضحك في هذا السياق أمرين:

أ‌-     إنّ قمع السعودية لهذا الحراك لم يمنع تصاعد وتيرته ولم يمنع أيضاً أن تنتقل نار الاحتجاجات الى السعودية وتحديداً المنطقة الشرقية فيها.

ب‌-وفّر النظام السوري ( والذي كان يعتقد أنه بمنأى عن الحراك الشعبي) غطاءً رسمياً شرعياً للقمع الخليجي في البحرين ظاناً منه أنه قد يساهم في هذا الامر الى تقديم ورقة دعم قبل أن تصل نار الاحتجاجات الى درعا، شرارة الانتفاضة السورية.

إذاً قبلها لم تلعب السعودية أي دور واضح في لجم حراك الشعب العربي بإستثناء أنها أصبحت ملاذاً آمناً للرؤساء العرب المخلوعين.

بعد البحرين قامت السعودية بتأمين الحماية الكاملة لعلي عبدالله صالح في يمنٍ يعتبر أنه نقطة إستراتيجية جداً للمملكة. ام توفّر السعودية ( ومن ورائها أميركا) أي وسيلة ممكنة للجم الحراك اليمني بدءاً من إعداد طرح خليجي المنشأ لتنحي صالح وتسليم صلاحياته الدستورية الى نائبه وإنتهاءً بمنح الرئيس المخلوع ضمانات من شأنها أن تجنبه ملاحقة قضائية عكس ما خضع له مبارك.

إذاً، بدا صالح متمسكاً بحكمه طالما أنّ الغطاء الاميركي-السعودي وفّر له ثمانية أشهر راح فيها يستهزأ بالبروتوكول الذي قام بتأجيل توقيعه ثلاث مرات حتى بلغت الامور نقطة اللاعودة في بعد محاولة إغتيال صالح في أوائل حزيران- يونيو عام 2011.

لن أتطرق الى دور قطر في هذا المقال لاني أعتقد أن فهم صعود دور قطر في المنطقة بحاجة الى مقال آخر لتبيان كيف أسهمت هي الاخرى وعبر فضائيتها الجزيرة في تحوير إتجاهات الحراك الشعبي العربي في إتجاهات ليست بالضرورة أن تكون متطابقة مع حركة الشعوب.

الطرف الثالث: قوى الاسلام السياسي

بدا واضحاً أن الاسلام السياسي المتمثل بالاخوان المسلمين يكاد يكون التنظيم الاكثر حضوراً وتنظيماً. ولهذا قد تمكّن من حصد أصوات الناخبين في مصر وتونس، مع أن دور الاخوان في مصر والنهضة في تونس يختلفان في حجم وطبيعة إنخراطهما في الحراك.

في هذا السياق، ترددت حركة الاخوان المسلمين في مصر بالنزول الى ميدان التحرير في مسعىً منها لعقد تسوية سياسية مع نظام المخلوع مبارك ولمّا فشلت التسوية، أصدرت الحركة بياناً دعت محازبيها للمشاركة وبكثافة في جمعة الغضب في 28 كانون الثاني 2011. أما دور الاسلام السياسي في تونس فكان خافتاً مقارنة مع الحالة المصرية إذ أن القوى النقابية التونسية الممثلة بإتحاد الشغل التونسي لعبت دوراً تعبوياً ضخماً إبّان الحركة الجماهيرية مترافقاً مع دور تعبوي-سياسي لعبه حزب العمال الشيوعي التونسي.

ساعدت ظروف عدة في تنامي قوة وحضور الاسلاميين في الحراك العربي، نذكر منها:

أ‌-     تمتلك هذه القوى حضوراً شعبياً قوياً خاصةً في المناطق الفقيرة ما أمكنها من جذب الناس لشعاراتها.

ب‌-الخصوصية الثقافية للشعوب العربية والتي لا يزال الدين جزء أساسي منها كونه يشكّل( الى جانب عوامل أخرى) الهوية الثقافية لهذه الشعوب.

ت‌-الموارد المالية التي تلقتها مجمل الحركات الاسلامية من أفراد أو منظمات أو متمولين( أو حتى دول) وإستطاعت  أن تكسب الانتخابات في ظل إنفاق إنتخابي بلغ عشرات ملايين الدولارات.

ث‌-دعم سياسي واضح من قبل الادارة الاميركية خاصةً أن هذه القوى وقبل أن تظهر في صناديق الاقتراع كانت أن قطعت وعداً بإبقاء حالة الصراع العربي-الاسرائيلي كما هي الان وهذا ظهر عبر مؤشرين

المؤشر الاوّل: تأكيد المجلس العسكري في مصر على عدم نيته تعديل بنود إتفاقية كامب دايفيد في سعي من المجلس لكسب ثقة الاخوان ( الداخل المصري) والادارة الاميركية على حدٍ سواء.

المؤشر الثاني: ظهر زعيم حزب النور السلفي على القناة الثانية الاسرائيلية وقال ما حرفيته ” لا أمانع من الجلوس مع إسرائيل”.

يتبع في حلقة ثانية.

Advertisements

إجراءات

Information

One response

11 05 2012
nabdalamal

أخي
قد يكون كثيم من ما قلتَه صحيح .. لأنه الواقع الظاهر للجميع
لكني اختلف معك في النقطة الأساسية .. وهي أن ثورات الربيع العربي لم تسر في الإتجاه الصحيح
قد تكون ثورات الربيع العربي إلى الأن متخبطه ولم تحقق الكثير من طلباتها .. بل لم تحقق أكثر طلباتها
إلا أنها ستحقق الكثير على المدى البعيد
قد لا يكون التغير واضحا وضوح الشمس .. أو سريعا بحيث نشعر به .. لكنه سيحدث .. نعم سيحدث
سيحدث تغيرات لم نكن نتوقعها .. وتغيرات قد نكون ضدها لكنها ستوصلنا لما نريد
نعم .. الربيع العربي لازال في البدايه .. لأنه لم يمر على ولادته الكثير .. ومع أن نموهه لا يبدو واضحا إلا أنه ينمو داخلنا وحولنا
وسيبقى ينمو إلا أن يأخذ مكانه الطبيعي .. وان تغير اسمه مراراً .. سيبقى هو الربيع العربي
اعذرني اخي على الإطاله لكني حاولت أن أوصح وجهت نظري
وأنا في انتظار الحلقة الثانية باذن الله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: