عن مواطنين حلموا يوماً بوطنهم ” العربي الكبير ”

1 06 2012

كان من المفاجئ والمخزن في آن معاً سماع ما جرى مع أحد الأصدقاء السوريين الناشطين، عندما حاول دخول الأردن متجهاً من لبنان. فلدى وصوله إلى مطار عمان تم استقباله بالأسئلة التقليدية ” من وين جاي” “من بيروت” “شو جاية تعمل هون” “زيارة” ” أتفضل ارتاح شوي” كانت هذه هي بداية انحراف القصة عن مجراها الطبيعي. امتدت راحة  الانتظار المقلق لما يقارب الساعتين والنصف.  بعد تململ وطول انتظار اتجه صديقي إلى احد عناصر أمن المطار وطلب منه مقابلة الشخص المسؤول لمعرفة سبب الراحة الجبرية (على وزن الاقامة الجبرية) التي هو فيها. لم يكن الشخص مسرورا لتململ صديقي فجاوبه تفضل رتاح بس بدهم ياك بيندهولك شو مفكر ما عندهم غيرك” و هذا ما اكتشفه صديقي لاحقاً. 

استدعي صديقي لمقابلة الضابط المسؤول بعد حوالي 4 ساعات من الانتظار. ولم يكن الحوار بينهم بأكثر لطافة أو بأغنى معلومات عن الحوار السابق الذي دار بين صديقي والعنصر. “كيفك” ” كتير سيء” “اوف !! ليش ؟” “من اسلوب التعامل” “أي اسلوب ! قاعد و مرتاح. حدا تعاطى معك او حكاك شي !؟” “قاعد ok بس مين قلك إني مرتاح ؟! من الساعة 9:15 لهلأ 1:10 متروك بالصالة بدون أي توضيح او شرح. شو الفكرة؟” “هي اجرائات طبيعية بأي مطار و لا بدك تعلمنا شغلنا !” “لا ابداً كل واحد بيعرف شغله و انا مش جاي علم حدا شي. لكن هي الاجرائات مش طبيعية. لما يتم فرز القادمين و تحييد السوريين عن باقي الجنسيات ما بيكون اجراء طبيعي. لما اجي على نفس الطيارة مع صديق لبناني و ما يتعرض لأي سؤال او اجراء و انا ابقى 4 ساعات ناطر  بدو ما أعرف شو السبب ما بيكون اجراء طبيعي. لما ينترك أب و أم و 3 اطفال بصالة الانتظار لأكتر من 4 ساعات بس لأنن سوريين ما بيكون اجراء طبيعي. العفو منكم سيادة الضابط مش عم علمكم شغلكم لكن سألتني “كيفك” و جاوبت مش اكتر من هيك” “اي ما حدا جبرك تجي لعنا ليش ما رحت على بلدك” “شكراً!” هلق أنا لما سمعت القصة تخيلت انو عم شوف مسرحية ورح تنسدل الستارة مع خروج صديقي من المطار و قرائته لعبارة (المملكة الأردنية الهاشمية ترحب بكم) على وقع موسيقا تصويرية و تصفيق الجمهور، بس أبداً النهاية ما كانت هيك. 

تم نقل صديقي إلى صالة انتظار أخرى، حيث وجد أنه بالفعل “هنن عندون كتير عالم غيرو” ولذلك وجب عليه الانتظار. تم استقبال صديقي من قبل الشباب المحتجزين بالصالة بـ ” اهلين، شو انت كمان” ” مرحبا، شو انا كمان ؟” “انت كمان ما قبلو يدخلوك؟” كان يوجد في الغرفة 8 شباب سوريين، وكانت قصص جميع السوريين متشابهة إلى حد ما حيث تم منعهم من دخول الأردن لأسباب لم يتم إطلاعهم عليها وكانو محتجزين في المطار، وكانت القصص كالتالي:

–  ثلاثة شباب سوريين ( آخوين 16،17سنة وابن عمهم 17 سنة) كانو قادمين من حلب مع والد الأخويين، حيث سمح للوالد بدخول الأردن فيما منع البقية. تم حجزهم لفترة تتجاوز ستة ساعات وتم اخبارهم بأنه سيتم ترحيلهم إلى حلب ( المكان الذي قدمو منه).

– شاب آخر كان محتجز هناك “أنا سوري كنت بلبنان، مرتي وولادي لاجئين بالإردن من 3 شهور، وانا جاي لعندهم. ما خلوني ادخل على عمان ،وصرلي من مبارح الضهر هون و بدهم ياني ارجع على بيروت على حسابي و ما معي حق حق تيكت الرجعة”. ثم أضاف “ولما عرفت إنو ما رح يخلوني فوت قلتلهم و شو العمل ؟ قلو الضابط: روح على سوريا و فوت على الاردن تهريب”.

– شاب سوري آخر ” انا جاي من الشام، و صرلي 3 شهور عم جمّع حق تيكت الطيارة لحتى اجي اشتغل هون. في شب اردني بدو ياني اشتغل معه هون، و آخر شي بقلولي مافي دخول !”

– شاب سوري آخر كان قادم من الامارات لإن اقامته انتهت هناك، ولم يستطع تجديدها فسافر للاردن لأنه مطلوب للسلطات السورية. ايضاً تم منعه من دخول الأردن لكنه استطاع السفر فيما بعد إلى القاهرة

– شاب سوري لاجئ بلبنان، لكن بسبب الضغوط يلي عم تمارس عليه بلبنان قرر أن يلتحق بأهله في عمان. أيضاً هذا الشاب منع من دخول الأردن وعاد مع صديقي إلى لبنان على نفس الطيارة.

– شابين سوريين حصلا على عقد عمل بالسعودية، و بسبب إغلاق السفارة السعودية بدمشق وبناءً على طلب الخارجية السعودية ، سافرو إلى عمان ليحصلو على تأشيرة دخول للسعودية من السفارة السعودية هناك.

عند الساعة 7.00 مساءً ( بعد انقضاء ما يقارب 9 ساعات ونصف انتظار/احتجاز) غادر صديقي مطار عمان متجهاً لـبيروت. أخبرني صديقي لاحقاً ان أحد موظفي الأمن الأردنيين أخبره بأن “جهة مُعينة صرحت بأن وجودك غير مرحب فيه هنا(الأردن)”. ونتيجة ملاحظة عنصر الأمن لامتعاض صديقي من عدم السماح له بدخول الأردن -علماً بأنها أول مرة يزور بها الاردن-  قلي باستهتار “روح قول للسفارة بلبنان رحت و ما دخلوني“. كما قالت إحدى موظفات الأمن الأردني لشاب سوري كان محتجز في نفس الغرفة “ما عاد تحاول تتصل بحدا، ما حدا رح يفيدك. لازم تعرف إنو عمان بالنسبة إلك هي الغرفة“. من المثير للاهتمام هنا أن معظم الشباب السوريين اللذين منعو من دخول الأردن لم يؤدو خدمة العلم وهو أحد المواضيع الأساسية التي تم التركيز عليها خلال التحقيق معهم من قبل الأمن الأردني. كما أنه من المثير للاهتمام أيضاً معرفة أن الحكومة الاردنية لم تقم فقط بخرق الاعراف الدولية عن طريق الاعادة القسرية لأشخاص لا يتمتعون/لايرغبون بحماية دولتهم لأسباب مشروعة، بل أيضاً لم تعلم بشكل مسبق الشباب السوريين المحتجزين بأنه غير مرحب بهم على أراضيها. كما أنها لم تتحمل مسؤوليتها كدولة بتعويض الخسائر المادية التي تكبدها هؤلاء الاشخاص للقدوم للاردن و الخسائر المادية والمعنوية المترتبة على ترحيلهم قسرياً من الأردن لأنه غير مرحب بهم وفقاً لمعايير الترحيب الأردنية.

من المثير للحيرة والجدل أيضاُ أن الأردن كانت ولازالت ضمن قائمة دول أصدقاء سوريا[1]، وقد شاركت بجميع مؤتمرات أصدقاء سوريا ممثلة بوزير خارجيتها. ومن المعروف أن سياسة الأردن الرسمية تجاه دخول المواطنيين السوريين إليها بدون الحاجة لتأشيرة دخول لم تتغير[2]. كما أن الحكومة الأردنية أكدت، على لسان وزير الصناعة والتجارة، سامي قموه، أن هناك التزاماً دولياً في تغطية تكاليف استضافة اللاجئين السوريين، الذين وصفهم بـ”الوافدين[3].” لكن يبدو أن الاردن على الرغم من سياسية الانفتاح المعلنة تجاه استقبال السوريين كمواطنيين/لاجئين، لايزال لديها بعد التخوفات غير المعلنة التي يمكن تلخيص بعضها بمايلي:

 – خوف الأردن من انتشار الاضظرابات السياسية إلى أراضيها وانضمامها إلى دول الربيع العربي.

– عدم رغبة الأردن بأستمرار تدفق اللاجئيين السوريين إليها. رغم أن ما قامت به الأردن يعد خرق للأعراف الدولية بإعادة مواطنيين غير قادرين على التمتع بحماية دولتهم إلى بلدهم وتعريض حياة هؤلاء الأشخاص للخطر.

– انتشار اعمال العنف في الاردن على خلفية استضافة اللاجئين السوريين.

– خوف الأردن من تأثر المساعدات التي تتلقاها فيما لو قررت بشكل رسمي تغيير سياستها تجاه وضع تأشيرة على دخول السوريين وخاصةً مع تصاعد وتيرة  العنف الممارس من قبل النظام السوري ضد مواطنيه.

 

غير أنه بالرغم من المخاوف التي قد تجد اللملكة الأردنية نفسها أمامها فإنها مطالبة إنسانياً و اخلاقياً بدعم السوريين الثائرين لاسترداد كرامتهم وحريتهم المسلوبة. لأن انتصار السوريين في معركتهم في وجه سلطة مستبدة هو انتصارٌ للحرية كقيمة عُليا، وانتصار لحقوق الإنسان الأساسية في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

 الكاتب:  حايد حايد 


[1]  مجموعة من الدول والهيئات تنسق فيما بينها في محاولة لإيجاد حل للأزمة السورية ، بعيداً عن مجلس الامن الذي استخدمت روسيا والصين فيه حق النقض ضد مشروع القرار الخاص بسوريا

[2]  دخول الأردن (متطلبات التأشيرة) http://www.sanabelconf.org/VisaInfo_ar.aspx        

[3]الأمم المتحدة: طفرة بأعداد اللاجئين السوريين للأردن  http://arabic.cnn.com/2012/syria.2011/4/24/jordan.refugees/index.html

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: