مقاربة إختزالية لموضوع العشائر: مالك مكتبي متناسياً حقائق

13 09 2012

عالجت الحلقة الاخيرة من برنامج ” أحمر بالخط العريض ” موضوع العشائر بسطحية أخذت في ظاهر الامور ولم تقدم أي رؤية إجتماعية-تاريخية للظاهرة العشائرية في لبنان معتمدةً على تنميط يجهّل الحقائق بدل أن يوضحها.

أظهر مقدّم البرنامج مالك مكتبي العشائر كظاهرة مرتبطة بالخطف أو  السلاح مستنداً الى الحالة الجماهيرية التي كونها آل المقداد عندما أقدموا على خطف مواطنين سوريين وأتراك في 15 آب الماضي وفي هذا سقط في فخ الدعائية المفرطة والمادة الترويجية بدلاً من إظهار مقاربة سوسيلوجية للموضوع.

سأدوّن بعض الملاحظات على شكل ومضمون الحلقة قبل الغوض في رؤيتي الشخصية حول موضوع العشائر في لبنان لما لها من ظاهرة إجتماعية قديمة.

أولاً: لم يكلّف السيد مكتبي عناء مقاربة الموضوع من ناحية تاريخية أو سوسيلوجية الاّ من باب لزوم ما لا يلزم إذ اكتفى بتقرير مدته ثلاث دقائق (فقط) لظاهرة عمرها الاف السنين. وقد إعتمد في هذا الاطار على أستاذ مادة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية والذي على الرغم من مجال إختصاصه الاّ أنه تكلم في العموميات دون الغوض في تفاصيل هذه الظاهرة إما لسببٍ ما نجهله أو هذا ما فرضه معّد البرنامج عبر المونتاج. كان الاجدى بالسيد مكتبي أن يستند في بحثه الى مقالتين هامتين نشرا في جريدة السفير يوم السبت الفائت ( 8 أيلول) أي قبل عرض الحلقة بخمسة أيام فقط.

المقال الاول: سوسلوجيا العشيرة- زعامة وعصبية وعنف كامن. الكاتب: فؤاد خليل

المقال الثاني: قول في تعددية العصبيات وسراب شرعية الدولة. الكاتب: أحمد بعلبكي

أمّا وقد عرضت الحلقة البارحة، فننصح السيد مكتبي بقراءتهما نظراً لاهميتهما في ترسيخ فهم أولي لموضوعه.

ثانياً: أكثر السيد مكتبي من إظهار وجوه تنتمي الى المجتمع المدني. طبعاً لا ضير في ذلك خاصةً أنه يعالجه قضية إشكالية من هذا النوع الاّ أن كثرة المتحدثين ” ضيعّت ” الطبخة. فبدت مساههة كل من المحامية غادة أبو مراد والناشط شادي نشابة موفقة حيث أبدوا رغبةً في نقاش هذه الظاهرة من ناحية علمية موضوعية داعين الى تلاقي كل فئات المجتمع التي تعاني الفقر والعوز الحرمان حول مفهموم موحّد للدولة الاّ أن الناشطة سعدى استعملت أسلوب الانفعال في التعبير عن آراءها. لذا كان يمكن الاعتماد على ضيف أو ضيفين من المجتمع المدني من أجل تسهيل الحوار والوصول الى قواسم مشتركة.

مالك مكتبي: مقدم برنامج أحمر بالخط العريض

مالك مكتبي: مقدم برنامج أحمر بالخط العريض

 

ثالثاً: أبدع الشاب من آل ناصر الدين في مقاربته للموضع حيث قال ما معناه أن السلاح الموجود لدى العشائر ليس لبّ المشكلة، إنما المشكلة تكمن في بلد لم يتصالح مع تاريخه حيث أدى استعمال السلاح بين زعماء الحرب الى تبؤوهم السلطة السياسية في البلد منذ العام 1992 وصدور قانون عفو عام عن كل الجرائم التي ارتكبت في الحرب. وتوجّه الشاب الى مكتبي بنبرة صوت قوية وإنفعالية (تنم عن حق وضمير إنساني ولوعة) قائلاً ” في 200 ألف قتيل بالحرب الاهلية ولم يحاسب أحد”.

رابعاً: أكثر الضيوف من تناول حقيقة ( نعم هي حقيقة ولكنها لا تنطبق حصراً على عشائر البقاع إنما تشمل كل الشعب اللبناني). حقيقة مفادها أن العشائر في لبنان والتي تقطن في البقاع الشمالي راضخة للزعامات السياسية المتوارثة جيلاً بعد جيل. نعم، هذا صحيح ولكن فلنذكر السيد مكتبي أن عشائر البقاع تحديداً هي ليست كما يشاع في أنها دوماً الخزّان الاحتياطي للثنائية الشيعية وسأسرد بعض المحطات المفصلية التي تدحض مثل هذا القول.

أ‌-     عزل حزب الله وهو الحزب الشيعي الاقوى ظاهرة صبحي الطفيلي عندما قاد هذا الاخير ثورة الجياع والتي ضمت في حراكها مجموعات تنتمي بمعظمها لعشائر في عين بورضاي وبريتال. ولم يكتف الحزب بعزل هذه الظاهرة بل وضع الطفيلي تحت الاقامة الجبرية والتي مهدّت لانتشار الجيش وقتها حول أماكن انتشار أنصار الطفيلي الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف.

ب‌- ينتحب 80 % أو أكثر ربما من الشيعة لصالح أمل وحزب الله إنما المدقق لهذا الامر يستطيع أن يستنتج أن نسبة التصويت لصالح الثنائية الشيعية تكثر قي بعلبك لتخف تدريجياً صعوداً نحو الفاكهة والعين واللبوة وصولاً الى الهرمل. نريد تذكير السيد مكتبي أن عشيرة آل المقداد رفضت وجود نائب حزب الله علي المقداد في دارتها وهذا ظهر بوضوح على التلفاز.

ت‌-وقع إشكال مسلح بين آل المقداد وآل كركي ( أحد الافراد ينتمي الى حزب الله) في شهر تموز يوليو الفائت ومثل هذه الاشكالات تتكرر في الضاحية الجنوبية ويعود بمعظمها لظاهرة الخوّات التي يفرضها بعض زعماء الاحياء في ظل رفض حزب الله لهذه الظاهرة.

ث‌-وفر حزب الله الغطاء السياسي الللازم للمداهمات التي قام بها الجيش ليل الجمعة 7 أيلول في الضاحية الجنوبية والتي أدت الى تحرير المخطوفين السوريين ثم تحرير المختطف التركي.

تأسيساً على ما تقدّم، فإنّ ظاهرة العشائر في لبنان هي ظاهرة متأصلة وليست طارئة. هي ظاهرة تحمل في طياتها أبعاداً تاريخية وإجتماعية وجغرافية تتصل بطبيعة تكوّن الدولة في لبنان. وهنا بعض المؤشرات.

أولاً: القول بأن العشائر في البقاع الشمالي هي الاطار الاجتماعي الاوحد في لبنان والذي لم ينضوي في إطار الدولة كلام خاطىء إذ إن مطلقو هذا القول ينسون أن يتناسون أن الدولة اللبنانية هي دولة الطوائف وبما أن العشيرة هي إطار جهوي وعائلي فما من المنطقي ألا ترضخ العشيرة لتركيبة الطائفة والتي هي إطار اجتماعي عابر للافراد. لذا من الادق القول أن الصراع هو بين العشيرة والطائفة وليس قط بين العشيرة والدولة.

ثانياً: قامت متصرفية جبل لبنان على كتليتين إجتماعيتين هما الموارنة والدروز. إنتشر الموارنة في أقضية كسروان والبترون والكورة فيما إنتشر الدروز في أقضية الشوف والمتن وباقي الجبل.

 أما الشيعة والسنّة فكان وجودهما قليل جدًا، فقد انتشر الشيعة في بضع قرى في المتن وكسروان، وعاش السنّة على ساحل الشوف وفي زحلة وكانت المدن الكبرى ( بيروت وطرابلس) ترتبط بوالي الشام حينها.

ولكن تغيّر الوضع جذرياً عندما أعلنت دولة لبنان الكبير عام 1920 على أساس إضافة مدن الساحل والبقاع وطرابلس والجنوب وسهل عكار إلى المنطقة التي عرفت تاريخيا بمتصرفية جبل لبنان الذاتية الحكم والتابعة للامبراطورية العثمانية. وهكذا حصل الاندماج.

لذا كان من أبرز التفاعلات التي نشأت حينها ظهور طبقة البورجوازية السنية المتمركزة في المدن بالاضافة الى البورجوازية المسيحية في جبل لبنان. أدى هذا الامر الى تمركز سياسي وإقتصادي في المدن وأبعد الارياف عن مركز القرار في العاصمة. ولاننا لسنا هنا في وارد تقديم مقاربة تاريخية، الاّ اننا تريد القول أن العشائر وبما أنها متمركزة في البقاع الشمالي بقيت خارج إطار الدولة بمفهومها المؤسساتي والقانوني والخدمات مثلها مثل عكّار وأقضية الجنوب ما أسس لحالة من الفقر والعوز والحرمان رزحت تحته فئات عديدة من الشعب اللبناني وبدأت ملامحه تظهر في سبعينات القرن الماضي.

نسي السيد مكتبي كل هذه الحقائق وعرض تقريراً سطحياً عن العشائر ولعّل الايجابية الوحيدة كانت في تعرفي الى عشيرة آل كيروز وهي العشيرة المسيحية الوحيدة في البقاع حيث كنت أجها سابقاً هذا الامر.

حقيقة واحدة غابت عني ولكن هل يدرك السيد مكتبي الحقائق الواردة أعلاه ؟؟؟

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: