الحرب على غزة: قراءة في السياق، الاهداف، والنتائج

22 11 2012

في الاسبوع الاخير من شهر تشرين الاول- أوكتوبر شنّت الطائرات الحربية الاسرائيلية غارةً على مصنع اليرموك للذخيرة بضاحية العاصمة السودانية الخرطوم. روجّت وسائل الاعلام الاسرائيلية بأن المصنع المسهتدف يصنع أسلحة وصواريخ ترسل الى المقاومة الفلسطينية. في هذا السياق، أوردت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية في عددها الصادر في 28 تشرين الاول أنّ ” هذه العملية بدأت منذ عامين بعد إغتيال عملاء الموساد في فندق بدبي لرجل الأعمال الفلسطيني والمسؤول الكبير بحركة حماس محمود المبحوح، فقبل مغادرتهم الفندق أخذوا من حقيبة أوراقه نسخة مصورة لإتفاقة عسكرية بين السودان وإيران “، وحسب الصحيفة كشفت هذه الوثيقة  عن أن السودان منح طهران الحق الكامل في إنتاج الأسلحة على أراضيه.” أضافت الصحيفة أنّه كان يتم تصنيع الصواريخ الباليستية الإيرانية من طراز “شهاب” في مجمع اليرموك تحت قيادة خبراء إيرانيين. هذه الصواريخ كانت مخصصة لتسلم إلى أجهزة حماس في قطاع غزة وفي المناطق الأخرى بالشرق الأوسط.

وفي سياق ليس ببعيد عن تهيئة الظروف لهذه الضربة، قام أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يوم الثلاثاء 23 أكتوبر/ تشرين الأول بزيارة الى قطاع غزة وذلك في أول زيارة لرئيس دولة منذ سيطرة حماس على القطاع عام 2007 وفرض اسرائيل الحصار على القطاع. هدف الزيارة كان تدشين تدشين مشاريع اعمار في القطاع تزيد قيمتها عن 400 مليون دولار. أمّا على المستوى السياسي، فتعتقد بعض الاوساط الفلسطينية أنّ هدف الزيارة غير المعلن يكمن في اقناع حماس باسقاط خيار المقاومة مقابل التعهد بدفع مستحقات أجور موظفي الحكومة المقالة في غزة ( من ضمنها أفراد الشرطة وعمّال البلديات وموظفي الادارات الرسمية) ما ينعكس ايجاباً على الاوضاع المعيشية لاهل القطاع. وتعزو هذه الاوساط فرضيتها هذه بالاستناد الى التساؤلات التالية:

  • لماذا زار أمير قطر قطاع غزة فقط دون الالتقاء بأياً من المسؤولين الفلسطينيين في رام الله ؟
  • ما انعكاس هذه الزيارة في توقيتها ودلالالتها على التيار الاسلامي الصاعد في المنطقة؟
  • ما سر التزامن بين لقاء توحيد المعارضة السورية ( انعقد في الدوحة في بداية الشهر الحالي) وزيارة أمير قطر في مؤشر الى سعي قطر لترتيب أولويات المنطقة في سوريا وغزة انسجاماً مع أجندة الاخوان المسلمين وبالتنسيق مع بعض الاوساط الفاعلة في الادارة الاميركية.

وبغض النظر عن الاهداف الحقيقية للزيارة، فانّ الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتياناهو أرادت أن تشعل حرباً على غزة بعد اخفاقها في اقناع الادارة الاميركية بشن حرب على ايران ابّان عهد أوباما الاول. ورأت في هكذا حرب محاولة لتطويق الحلقة الاضعف ضمن حلقات الممانعة والمقاومة ( أي غزة)، وذلك قبيل الانتخابات التشريعية الاسرائيلية المزمع اجراؤها في 22 كانون الثاني- يناير من العام الجديد. فاغتالت القائد العسكري لحماس أحمد الجعبري في 14 تشرين الثاني وـأدت عملية الاغتيال الى حرب شاملة في القطاع على غرار عملية الرصاص المصبوب في شتاء عام 2008.

تفاجأ الاستبلشمنت السياسي في اسرائيل بقدرة المقاومة الفلسطينية على تطوير قدراتها والتي فرضت على اسرائيل توازن رعب حقيقي أدخل ثلاثة ملايين اسرائيلي في دائرة النار. وظلّت المقاومة الفلسطينية تدّك المستعمرات الصهيونية بالصواريخ حتى الساعة التاسعة مساء يوم الاربعاء 20 تشرين الثاني، موعد سريان وقف اطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والجيش الاسرائيلي.

نصّ اتفاق الهدنة على البنود التالية:

1/أ ـ تقوم إسرائيل بوقف كل الأعمال العدائية في قطاع غزة براً وبحراً وجواً، بما في ذلك الاجتياح وعمليات استهداف الأشخاص.
ب ـ تقوم الفصائل الفسلطينية بوقف كل الأعمال العدائية من قطاع غزة تجاه إسرائيل، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والهجمات عبر الحدود
ج ـ يتم فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدوديّة، ويجري التعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة.
د ـ سيتم مناقشة قضايا أخرى في حال استدعت الحاجة
آلية التنفيذ
أ ـ تحديد ساعة الصفر لدخول بنود التهدئة حيّز التنفيذ
ب ـ ينبغي أن تحصل مصر على ضمانات من كل طرف بالالتزام بما تمّ الاتفاق عليه
ج ـ يلتزم كل طرف بعدم القيام بأي أفعال من شأنها نقض هذه التفاهمات، وفي حال وجود أية ملاحظات يتم الرجوع لمصر، باعتبارها راعية للتفاهم، لكي تتابع التطورات.

ومن المعلوم، فان الطرف المصري لعب دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية مستفيداً من تموضعه في خارطة المنطقة وانضمام حركة حماس الى محور دول الربيع العربي. وفي هذا السياق، شكّل العدوان الاخير على غزة اختباراً لهذا الربيع على مستوى الانظمة وعلى مستوى الشعوب.

  • على مستوى الانظمة: لم تعمد أياً من الحكومات العربية على سحب سفراءها من اسرائيل أو حتى التلويح بالامر، بعد أن كانت القوى الاسلامية تعيب على الانظمة الديكتاتورية التي كانت حاكمة بأنها باعت القضية وشرعت في سلوك التطبع السياسي والاقتصادي والديبلوماسي وحتى الثقافي مع العدو الاسرايلي. حتى أن خطوة استدعاء السفيرالاسرائيلي في مصر من قبل محمد مرسي كانت شبيهة بخطوة قام بها سابقاً المخلوع حسني مبارك ابان العدوان على غزة في شتاء عام 2008.
  • على مستوى الشعوب: كانت حجة الشعوب الرازحة تحت الديكتاتوريات أنّ أنظمتها تقمع الشعوب في المجالات السياسية والاجتماعية تحت حجة ” لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” واذ تراها لم تنتفض لا نصرةً لغزة الجريحة ولا للمقاوة الباسلة عندما تحررت تلك الشعوب من الديكتاتوريات في وقت خرجت تظاهرات كبيرة جداً في أوروبا كان أكبرها في اليونان والمملكة المتحدة البريطانية!

ويدّل مسار التوصل الى الهدنة أن الطرف الاسرائيلي ضغط على الادارة الاميركية والتي عادت ضغطت على مرسي بهدف اقناع الفصائل بضرورة وقف اطلاق النار. وحين لم ينجح المسعى الاول بسبب التعنت الاسرائيلي للشروط التي وضعتها الفصائل، أرادت كل من الادارة الاميركية بلسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون والطرف المصري عبر الرئيس مرسي الاعلان عن التهدئة. ولعّل نجاح الطرف المصري في اقناع حماس بالتسوية المفروضة يدل على تطويع قرار حركة حماس بعيداً عن اي تأثير سوري أو ايراني لانّ انتصار غزة في الوقت الراهن كان ممكن أن يؤدي الى تقوية المحور السوري-الايراني والى خربطة أجندات المنطقة خاصةً وأن أولوية الاخوان المسلمين في هذه اللحظة تكمن في تدعيم حكمهم واستكمال سيطرتهم على مؤسسات الدولة في مصر وتونس وغيرها من البلدان التي فازوا بها ” ديموقراطياً”.

وبعثت الدولة المصرية بأكثر من رسالة تطيمن عبر اتفاق الهدنة هذا وليس أدّل على ذلك سوى كيفية مقارية الدور المصري في العدوان الاخيرة على غزة من قبل الاسرائيلي والاميركي الذين بديا سارين جداً بمقاربة مصر الملف الفلسطيني المستجد:

  • المقاربة الاسرائيلية: وصف موقع «واللا» الإخباري الإسرائيلي دور الوسيط الذي قام به الرئيس المصري محمد مرسي بالإنجاز الاستراتيجي لإسرائيل، موضحاً أنّه خلال السنة الأخيرة كان مجرد التفكير في خوض حرب في غزة، في ظلّ وجود الإخوان المسلمين في مصر، يثير الرعب لدى القادة الإسرائيليين، تخوّفاً من ردّ الفعل المصري على عملية كهذه. إلا أنّ الواقع الذي أثبتته عملية «عمود السحاب» أنّ حركة الإخوان المسلمين لن تخرج لمساعدة «حماس»، وأنّها لن تكون الدرع الواقية لها، وبدلاً من أنّ تتخذ مصر خطوة عدائيّة في مقابل الهجمات الإسرائيلية على غزة، أدّت دور الوسيط بين الطرفين.
  • المقاربة الاميركية: ذكرت صحيفة New York Times  في عددها الصادر يوم الخميس في 22 تشرين الثاني، نوفمبر، 2012 أنّ الطريقة التي توصل بها مرسي لاتفاق التهدئة بغزة ” تستحق الاعجاب”.

Advertisements

إجراءات

Information

2 تعليقان

23 11 2012
abedkataya

يعني أن لولا المقاومة و عملها لكانت غزة محتلة من جديد.. و لكان سكانها هاجروا الى سيناء و لكان العرب.. كالعادة يستنكرون فقط… !

28 11 2012
atallahalsalim

يكمال هذا المقال ما كتبته أعلاه
http://www.al-akhbar.com/node/172451

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: