دور دول الخليج فـــي المنطقة وفـــي العولمـــة

29 03 2013

الكاتب: شبل سبع (*) 

شكل الانسحاب الأميركي من العراق منعطفاً تاريخياً لدور دول الخليج على الصعيدين الإقليمي والعالمي. فبعد ان كانت تمثل حجر الزاوية في السياسة الاقتصادية والدفاعية للدول الكبرى البعيدة جغرافياً، دون ان تكون فاعلة في المعادلة الإقليمية، انقلبت الآية، فأصبحت دول الخليج لاعباً اقليمياً أساسياً، وأيضا بالنسبة للدول الأوروبية، «المتوسطية» منها خاصة، على حساب أهميتها على الرقعة العالمية. هذا التغيير في الأدوار هو نتيجة التغيير في الإستراتيجية الأميركية والتعديل في ميزان القوى على الصعيد العالمي، اللذان فرضتهما العولمة والأزمات الاقتصادية المتتالية.

دول الخليج والعولمة

تلعب دول الخليج دوراً كبيراً في المنظومة الاقتصادية العالمية، إذ لديها ثلاث وظائف أساسية، تطورت وتحولت بالتناسق مع تحولات المنظومة نفسها منذ حرب فيتنام وحرب أكتوبر 1973. وهي تتلخص بـ:
1 ـ تأمين الطاقة بكميةٍ وسعر لا يكونان عائقاً للنمو في الدول الغربية. لذلك، فباستثناء سنتي 1973 و2007 ، لم يرتفع سعر النفط أكثر من نسب التضخم، بالرغم من كل ما ذُكر عن نضوب المخزون النفطي، وعدم زيادة الإنتاج في السنوات الأخيرة. فسعر النفط ارتفع 220 في المئة بين 1980 و2013 بينما كان حجم التضخم في الولايات المتحدة 240 في المئة للفترة نفسها. وبتعبير أبسط، يعني هذا أن سعر النفط الآن بالدولارات الثابتة أقل بقليل من سعره سنة 1980 . يتضح بشكل جلي حجم مراعاة الدول النفطية للغرب في العقود الثلاثة الماضية، إذا أضفنا إلى ذلك مؤشرين: أ ـ انخفاض سعر الدولار25 في المئة بالنسبة لسلة من العملات، ب – ارتفاع حجم الدولارات الموجودة خمسة أضعاف، بينما لم يزد الإنتاج النفطي إلا بنسبة 35 في المئة خلال الفترة نفسها.
2 ـ إعادة تدوير الفائض من الدولارات الموجودة لدى دول الخليج، باتجاه الدول الغربية بشكل أساسي. فالدول الخليجية ممول أساسي للدَين العام في الدول الغربية، ومستثمر كبير في القطاع الخاص. هذا الدور ليس بالجديد حتى ان عراق صدام حسين استثمر الكثير من الأموال النفطية في فرنسا، في الشركات نفسها التي يستثمر فيها الآن أمير قطر، كشركتيLagardère وTotal. إلا ان ذلك الاستثمار تعاظم في الآونة الأخيرة مع ارتفاع الفائض المالي في قطر، بشكل موازٍ لارتفاع الديون ووتيرة الأزمات في الدول الغربية. تشير معلومات تقريبية ان حجم الاستثمارات القطرية في الخارج وصل إلى اكثر من 200 مليار دولار، موزعة بشكل أساسي على فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة. وهي محصورة في قطاعات الخدمات والفنادق والشركات المصنِّعة للبضائع الكمالية والفخمة.
3 ـ إقامة «صندوق أسود» وظيفته تمويل مشاريع سياسية بعيدة: أميركية إجمالاً، لا تستطيع الإدارة أن تتبناها علناً، كالحركات السياسية في أفغانستان وباكستان، أو اقليمية مباشِرة كحرب صدام حسين على إيران. تطورت هذه الوظائف وتأقلمت مع مختلف الإدارات الأميركية. وباستثناء حرب أكتوبر 1973 («خطيئة» الملك فيصل المميتة!)، لم تكن لتخرج عن دائرة مصالح الولايات المتحدة الأميركية خاصة، وتلك الغربية إجمالاً.

دور دول الخليج الإقليمي

لا يتميز دور دول الخليج الإقليمي عن دورها العالمي: مصدِّرة للنفط، ومستثمرة رسمياً أو عبر الصندوق الأسود، بالإضافة إلى دورها في امتصاص قسم من اليد العاملة العربية (قسم من الـ14 مليون أجنبي العاملين فيها). وإذا كانت أدوار التشغيل وتصدير النفط لم تتطورا كثيراً، فإن إعادة استثمار الفائض، بصورة علنية أو غير علنية، تطور في الآونة الأخيرة. فتحولت دول الخليج من مستثمر في العقارات في لبنان وسوريا وسيناء والمغرب بشكل أساسي، إلى مستثمر في القطاع المصرفي والسياحي (الوليد بن طلال)، ومن ثمَّ إلى «معوِّم» للسلطات والحكومات الموالية أو الحليفة قبل «الربيع العربي» (مصر مبارك، لبنان، الأردن، المغرب). أما دورها الجديد، فنستطيع أن نرى بداياته مع لبنان في لقاءات «باريس واحد»، ثم اثنين وثلاثة. فالخليج الآن أصبح شريكاً لصندوق النقد الدولي وإملاءاته على حكومات تلك الدول، مما أعطاه نفوذاً فيها أكبر من السابق.
فأغلب الحكومات العربية لم تعد تستطيع «ابتزاز» دول الخليج، كما فعل سابقاً عبد الناصر وكذلك العراق وسوريا. لأنها خاضعة من الآن فصاعداً إلى شروط «الصندوق الدولي» وخاصة ان الخليج هو الوحيد القادر على سد عجز الميزانيات في تلك الدول. يكفي لإعطاء فكرة عن «قوة النار الاقتصادية» المتعاظمة لدول الخليج ان نذكر بضعة أرقام ووقائع:
1 ـ فائض قطر المالي السنوي يستطيع سد عجز كل ميزانيات الدول العربية تقريباً.
2 ـ تستطيع قطر لوحدها ان تدفع سنوياً ضعفي معاشات كل اليد العاملة السورية (حوالي 6 ملايين).
3 ـ ان مردود أموال قطر والسعودية (رأس المال المالي) لوحدهما، وبغض النظر عن مداخيل النفط والغاز، هو ثلاثة أضعاف ميزانية الدولة السورية.

 

رسم: أمجد رسمي

رسم: أمجد رسمي

التحولات المستقبلية

ان تعاظم دور دول الخليج في المنطقة، وبالتحديد الدور القطري على حساب السعودي، هو نتيجة لسياسة أميركية واضحة تسلك في اتجاهين: تقويض إمكانيات إنتاج الطاقة في العراق، وذلك لصالح الدول النفطية الأخرى، وعدم وجود نية للتدخل العسكري الأميركي المباشر في العالم (حاليا)، وخاصة في الشرق الاوسط. هكذا أصبح تمويل دول الخليج للحركات المحلية بديلا عن ذلك التدخل الدولي/الاميركي، مما أعطى الأمراء نفوذا لا سابق له، وبالأخص في ظل الوضع الاقتصادي العالمي المأزوم. بالرغم من ذلك، يعلم حكام الخليج أن قوتهم الجديدة المكتسبة اقليميا تُخفي الكثير من نقاط الضعف على المدى الإستراتيجي والمنظور. وقد تفسر نقاط الضعف تلك الشراسة التي تبديها قطر والسعودية لحسم الواقع السياسي في العالم العربي لصالحهما وبشكل سريع.
لأنه، وعلى المدى الطويل، فستبدأ وظائف دول الخليج بإبانة ضعفها نتيجة عدم عوامل أهمها:

ـ السياسة الأميركية الجديدة التي تركز على تخفيض العجز في ميزانيتها، والاعتماد على الطاقة المحلية الأميركية (الغاز).
ـ انخفاض الفائض المالي المتأتي من النفط في دول الخليج، باستثناء قطر والعراق، اذ وصل الإنتاج إلى حده الأقصى، وسيكون ذلك لفترة طويلة، بينما تزداد النفقات بسرعة، وخاصة الأمنية والدفاعية منها.

ـ انخفاض نسبة الفائض المالي الخليجي داخل الفائض العالمي الموجود بشكل أساسي حالياً في الصين وبعض دول شرق آسيا وروسيا.
هذا لا يعني ان دول الخليج واهنة، بل بالعكس، فهي في ذروة نفوذها، لذلك اعتمدت إستراتيجية قلب موازين القوى لصالحها في المنطقة، قبل ان يصبح الشرق الأوسط مشكلة جيوإستراتيجية أوروبية/صينية وليس أميركية/روسية، وقبل ان تزداد أهمية العراق النفطية على حساب دول الخليج الأخرى، إذ يستطيع العراق، «لو سُمح له»، ان ينتج حجم الإنتاج السعودي نفسه، أي 10 ملايين برميل يومياً.

العقبات

تعترض هذه الإستراتيجية الخليجية مشاكل عدة على الأمد القصير، أهمها:
ـ سرعة انخفاض ميزانية الدفاع الأميركي التي قررت الأدارة الحالية تخفيضها من 7 في المئة الى 3 أو 4 في المئة من الدخل القومي ،لإيقاف تزايد الدين الحكومي.
ـ السرعة التي تتفاقم فيها الأزمة الأوروبية والتركية.
ـ التفاوت الاقتصادي والفقر غير المسبوق داخل المنطقة العربية، وهشاشة الأنظمة العربية كلها، مع ما يحمله ذلك من خطورة إعادة طرح شعار «بترول العرب للعرب».
ـ السياسة الخليجية «الذكية»، وبالتحديد القطرية، التي تعتمد على تمويل الفقراء وبعض التنظيمات الدينية، لا يمكنها أن تثبِّت الأوضاع في الدول العربية إلا من خلال نموذج وهابي، وليس تركي، و بالتالي غير مرضٍ عنه غربيا.
خلاصة، يبدو أن حكام دول الخليج مقتنعون انهم يستطيعون تعبئة الفراغ الذي تركه جلاء القوات الأميركية عن العراق، وسقوط الأنظمة التي أفلت، وذلك من خلال تمويل الحركات الدينية، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي من جهة، وتركيا من جهة أخرى. الا أن هذا يحمل مخاطر كثيرة، أكبرها أن المملكة والإمارة تأخذان دورا سياسيا بحجم دورهما الاقتصادي، أي أكبر بكثير من حجمهما الفعلي (الديموغرافي، العلمي، العسكري)، وثانيها أن تركيا بلد غير عربي وله مشاكله، وأجندته الخاصة. أليس هذا ما فعلوه مع صدام لتنقلب الآية عليهم بعد ذلك؟ ألهذا السبب حصلت المملكة منذ سنتين على أكبر عقد عسكري في التاريخ مع الولايات المتحدة، بقيمة 65 مليار دولار؟ وهل يمكن حقاً أن ينتقل الثقل السياسي في المنطقة خارج العواصم الثلاثة الكبرى، أي القاهرة وبغداد ودمشق؟

* أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون – باريس

ملاحظة: نشر هذا المقال البحثي في ملحق ” السفير العربي ” في عدد السفير الصادر يوم الخمس في 28 آذار 2013

 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: