قضية المفقودين والمصالحة الوطنية المشوّهة

28 08 2013

منذ أن وضعت الحرب الاهلية أوزارها عام 1991 لم يجر معالجة حقيقية لقضية تعتبر من أخطار نتائج هذه الحرب عنينا قضية المخطوفين والمفقودين. ولعّل الطريقة التي تعاملت بها الدولة بمؤسساتها الدستورية تنم عن تقصير واهمال واضحيين تكاملت مع عدم اجراء مصالحة ومصارحة وطنية بعد الحرب اذ اقتصر الامر على بضعة تعديلات في صلب النظام السياسي عبر احداث تعديلات على الدستور نفسه واستحداث وثيقة الوفاق الوطني. هكذا اذاً تمت المصالحة على مستوى القادة والزعماء السياسيين عبر استصدار قانون للعفو العام صدر عن السلطات اللبنانية عام 1991 والرامي إلى منح العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب وحتى تاريخ 28 آذار 1991.

غالباً ما تخضع البلدان التي شهدت نزاعاً أهلياً لمسار من المصالحة الوطنية يكرس عبر مسارين متلازمين. الخط الاول يكون في انشاء لجنة لتقصي الحقائق وذلك لتوثيق جرائم الحرب ومقاضاة المخططين والفاعلين بغية التأسيس لذاكرة وطنية واحدة تقوّي شعور الانتماء للوطن. أمّا المسار الثاني فيكون عبر ورشة وطنية حقيقية لتجاوز آثار الحرب ومترتباتها على الصعد السياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية، يشترك بها فئات الشعب الممثلة في جمعيات أهلية ومنديات سياسية ووسائل اعلامية ومنظمات شبابية واتحادات نقابية. في الحالة الاولى وكما اسلفنا جرى تخطي هذا المسار عبر قوانين العفو بالاضافة الى القوانين الانتخابية التي تم تشريعها لاحقاً بهدف تأبيد سيطرة الطبقة السياسية التقليدية على القرار السياسي اللبناني، الامر الذي حال دون محاسبة المتورطين في هذا الملف . أما المسار الثاني، فلم يجرؤ أحد على المضي به نظراً لصعوبته وتعقيده في ظل غياب الارادة السياسية آنذاك وبسبب عهد الوصاية السورية والذي صادر القرار السياسي اللبناني. وحيث أنّ هكذا مسار كان يؤمل أن يؤتي ثماره عبر كتاب تاريخ موحد الا أن الامل تبدد بعد فشل ممثلي الطوائف اللبنانية في التوصل الى خلاصات وطنية موحدة حول أسباب الحرب ومسارها وأحداثها.

اعتبرت منظمة Amnesty أن قانون العفو العام  هو قانون إشكالي لأسباب عدة، ولا سيما أنه «يكفل إفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب»، من جهة، و«يمنع ظهور الحقيقة، من جهة أخرى»، مضيفة: «أن لبنان لن يعرف سلاماً حقيقياً ودائماً وأن حقوق الإنسان لن تحظى بالحماية إلا إذا واجه البلد ماضيه بإجرآت تتيح التحقيق في فترة الحرب وإظهار الحقيقة بخصوص الإساءات إلى حقوق الإنسان المرتكبة في إطار ما شهده من نزاعات”. أثّر عدم معالجة قضية المخطوفين والمخطوفين على مكانة الدولة اللبنانية فيما خصّ احترامها لحقوق الانسان اذ كانت هذه القضية السبب  الاساسي في تدني معدلات الدولة اللبنانية في سجلات حقوق الانسان human rights records  التي تعدها منظمات دولية. وكان يفترض أن تكون هذه القضية على رأس أولويات الدولة بعد انتهاء الحرب الاهلية الا أن ملفات الامن والسياسة واعادة الاعمار طغت على الدولة متناسيةً أن الامن الاجتماعي يوازي أهميةً الامن السياسي المفقود أصلاً.

كان يؤمل من معالجة هذه القضية أن تكون المدخل الاساسي للمصالحة الوطنية الشاملة بدلاً من أن تكون جرحاً وطنياً مفتوحاً حتى يومنا هذا. وحيث أن هذه القضية تمس قرابة 17 ألف مخطوف الا أنّ  آثارها النفسية والاجتماعية تمس 17 ألف عائلة لبنانية. بناءً عليه، أرى أن حل هذه المسألة يتطلب ارادة سياسية قوية تتخطى المسار التشريعي الذي بدأ العام الماضي باصدار مرسوم يقضي بانشاء ” الهيئة الوطنية للمخفيين قسراً”. فقط في اللحظة التي تحل فيها هذه المسألة، نستطيع مداواة جروح الحرب الاهلية ونؤسس لعقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين.

كل التضامن مع أهالي ضحايا الاختفاء القسري في لبنان والف تحية لكل الناشطين والناشطات في اطار الجمعيات الاهلية العاملة في هذا الاطار. وعسى تكون خطوة المدونين اللبنانيين مساهمة ولو رمزية في القاء الضوء على هذه القضية ومناصرة المدافعين عنها.

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: