أرفض خصخصة الجمال!

30 12 2013

نقاش فرعي فتح من رحم السجال المتعلق بفيروز وهو علاقة الفن بالسياسة. سمعت في الآونة الاخيرة كلاماً يفيد بأن الفن لا علاقة له بالسياسة. يصدر عادةً هذا الخطاب من أصحاب الامبراطوريات العاملة في الاعلام والاعلان الذين يشكلون ال media mainstream

بالاضافة الى المغنين الذين يؤدون أغاني هابطة على المستوى الفني والذين لا يجرأوا على اصدار مواقف سياسية تؤيد فريقاً سياسياً خوفاً من خسارة جمهورهم وطمعاً بإستقطاب العدد الاكبر من المعجبين. فلنضع هذا السجال في إطاره الفلسفي كونّ الموضوع المثار يمس قضية إنسانية سواء أكانت تتعلق بالسياسة وهي ممارسة إنسانية بالدرجة الاولى أو الفن وهو أرقى أشكال التعبير الانساني.

لا يمكن للفن أن يكون الاّ انعكاساً لقيم يؤمن بها روائي أو شاعر أو رسّام تشكيلي أو كاتب مسرحية. هذه القيم تشكل منظومة فكرية متكاملة. فأفكارك عن الحب والحرية والاوطان والارض هي قيم انسانية متعارف عليها بين كل شعوب الارض قاطبةً، الا أن ” كيف ” تنظر الى الحب والحرية والاوطان والارض هي ما يجعلك فنانًا في حقلً معين، لانّ ال ” كيف ” هي بالدرجة الاولى تنم عن ” من أنت” وهويتك بالاساس هي هوية فكرية. في ذوات كل منا ثمة أسباب رئيسة تتعلق بلماذا نحّب هذه الفتاة دون سواها؟ وبأية لغة وأسلوب تخاطب العامة؟ ولماذا أنت بقارءى لرواية وليس بقارى شعر؟ ولماذا تفضل الشعر النثري الحر على الشعر التقليدي الموزون؟ حتى أن ثمة أسباب تجعلك تفضّل للفاصولياء العريضة! تماماً مثل أنه يستحيل أن تدافع عن العدالة الاجتماعية وأنت تنتمي الى حزب يميني الوجهة، ويستحيل أن تدافع مثلاً عن حرية الابداع الفني إذا كنت منتمياً الى حزبٍ ديني. في الحالة الاولى، العدالة الاجتماعية بما هي فعل نهائي يستوجب النضال مع الطبقة العاملة لتحسين وضعيتها ضد الطبقة المهيمنة ( البورجوزاية)، والفنان الذي ينادي بالعدالة الاجتماعية في أعماله هو فنّان يساري النزعة الاّ أذا كان كاذباً أو متملقاً أو ساعياً لربحٍ مادي على حساب قناعاته.

في الاصل، راجت  مقولة ” الفن للفن ” خلال القرن التاسع عشر كمحاولة من قبل الطبقة البورجوازية المهيمنة لابعاد الفن عن إطاره المجتمعي بعد أن تبلوّر تيار فكري راح يبشّر بقيم العدالة والاخوة والمساواة. الثورة الفرنسية في الاصل كانت إمتداداً لافكار فولتير الذي كتب أكثر من عشرين ألف خطاب وأكثر من ألفي منشور. ولم يكتب فولتير كل هذه الاعمال لانه يرى فيه جمالية معينة. جمالية هذه الاعمال كانت بمحتواها، أي بسياستها اذ برز فولتير مدافعًا صريحًا عن الاصلاح الاجتماعي والديني بعد تسلّط الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها الاجتماعية على الحريات العامة. الى جانب فولتير، ظهر جان جاك روسو وتوماس هوبز وجون لوك ممن ساهموا في خلق روحية ثقافية تكاملت مع المشهد السياسي في أوروبا إبّان عصر التنوير، وكان لكتابات هؤلاء أثر كبير على الثورتين الفرنسية والاميركية.

في الامثلة المحلية، ظهر الادب الجنوبي المقاوم مع شوقي بزيع وعبّاس بيضون ومحمد العبدالله ولهؤلاء مواقف واضحة فيما خصّ موقفهم المؤيد للمقاومة في الجنوب اللبناني في ثمانينات القرن الماضي، بعضهم كان له تجربة حزبية والبعض الاخر بقي بعيداً عن الاطر الحزبية. كما برز في لبنان الستينات والسبعينات فنانين عكسوا وجهة نظر اليسار اللبناني فيما خصّ الصراع الطبقي والقضية الفلسطينية ومقاومة العدو الاسرائيلي. طوّر هؤلاء تجربةً سميت بالاغنية السياسية، وكان من أبرز وجوهها مارسيل خليفة وزياد الرجباني وأحمد قعبور وخالد الهبر وسامي حواط. ليست مصادفة أبداً انتماء تلك الاسماء الى الحزب الشيوعي اللبناني أو منظمة العمل الشيوعي.

وبعيداً عن تقييم موقف فيروز، فإنّ كيف لسيدة غنت بيروت والقدس وبغداد ألا تكون حاملةً لفكر سياسي. وأعني في هذا المجال السياسة كمنظومة قيم وليس الممارسة السياسية. إذ أن الانتماء ” السياسي ” يكون لفكر أو عقيدة وليس بالضروي أن يتأطر في شكل انتماء حزبي مباشر وبطاقة عضوية الى أية حزب. يمكنك مثلاً أن تكون شيوعي الفكر والمبادى والآً تنتسب الى الحزب الشيوعي. فهذا خيار شخصي.

ثمّ كيف يمكن أن تسلخ الفن عن قيمته الجمالية الراهنة، وأن تقول مثلاً أن الفن لا يعكس الواقع. فأنت تذهب لتحضر مسرحية إنطلاقاً من حبك للمسرح، كشكل فني تعبيري، ولكن أيضاً بسبب ما تحمله هذه المسرحية من أفكارٍ ومعانٍ وعبر تشكل امتداداً لما تؤمن به. لم أكن أتحمس مثلاً لمشاهدة عمل ” الواوية ” لنضال الاشقر لاني فقط معجب بأعمال الاشقر وموهبة المخرج ناجي صوراتي فقط، بل لان قال لي أصدقائي أن المسرحية تعالج الوضع العربي الراهن واشكالية الحرب-السلم. وبالمناسبة، الشخصيات الرئيسية في المسرحية تدعى دمشق وبغداد وقدس، أليس هذا بالظبط خيار سياسي أرادته الاشقر انسجاماً مع قصة المسرحية المقتبسة من بريشت؟

سألتني الصديقة زينة عياد في مقابلة أجرتها معي حول ديواني الشعري، عن رأيي في الجمال. قلت لها إن الجمال قضية عامة وليست من إحتكار أحد. فأني أرفض الخصخصة في الحب في كما في الاقتصاد، وفي هذا موقف سياسي ينبع من قناعات فكرية راسخة. وإذا كان البعض ممن يروج لمقولة ” فصل الفن عن السياسة” لا يملك بالاساس قناعات، فهذا يستوجب إعادة تأهيل ” بناه التحتية”. تعبير يمت بصلة الى ماركس وأعوانه.

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: