التقدير الاستراتيجي الاسرائيلي لعام 2014

29 01 2014

تميز الامن القومي الاسرائيلي عام 2013، بتوازن ايجابي، لكن من المتوقع في النصف الثاني من العام الجاري، أن تتكون مسارات اشكالية وجوهرية للامن الاسرائيلي، تتصل بمواجهة البرنامج النووي الايراني، ومحاولة تسوية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، والهزة في العالم العربي». بهذه العبارت صدَّر مدير مركز ابحاث الامن القومي، اللواء احتياط عاموس يدلين، خلاصة التقدير الاستراتيجي الصادر عن المعهد، لعام 2014. وتناول التقدير، لجهة العناصر الايجابية، انشغال الجيش السوري في المواجهة الدائرة في الساحة السورية، «الامر الذي اضعفه على نحو كبير وافقده تجهيزات ووسائل قتالية كثيرة، فضلا عن تفكيك الاسلحة الكيميائية». ونوه التقدير، اضافة الى ذلك، بانشغال حزب الله بالمشاركة في القتال في سوريا، لافتا الى الهجمات التي نفذتها اسرائيل ضد منظومات الاسلحة النوعية، التي كانت في طريقها من سوريا الى حزب الله، بدون أن تلقى أي رد عليها. واوضح التقدير ان من العناصر الايجابية ايضاً «الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الايراني»، والتي أثرت في توجهات القيادة الايرانية، لجهة التقدم باتجاه انتاج سلاح نووي، كما تناول التقدير اسقاط حكم «الاخوان» المسلمين في مصر، عبر انقلاب عسكري، الامر الذي اعاد الجيش المصري الى مركز الصدارة. وفي الاطار نفسه، لفت التقدير الى تداخل مصالح واسعة بين اسرائيل ودول عربية، تنتمي الى «العالم السني المعتدل»، وعلى نحو خاص دول الخليج، انطلاقا من رؤى مشابهة بينها وبين اسرائيل، تجاه التطورات المتعلقة بايران وسوريا ومصر، وعلى اساس اولويات متشابهة، تتعلق بالتغييرات التي يمر بها العالم العربي.

وتناول التقدير أيضاً العديد من القضايا الاخرى، منها تمتع حدود اسرائيل بهدوء شبه تام، مع فعالية للردع الاسرائيلي في مقابل دول الجوار، وايضا تجاه ما سماه المنظمات «الارهابية» التي تسيطر على لبنان وقطاع غزة، فضلا عن المحافظة على اتفاقية السلام بين اسرائيل وكل من الاردن ومصر، بالرغم من الهزة التي يمر بها العالم العربي.
اما بخصوص المسارات الاشكالية، فرأى التقدير ان اسرائيل تواجه على المستوى السياسي والامني، اربع «قضايا مفتاحية»، تمثل تحديا «للفكر الاستراتيجي الاسرائيلي»، وهي قضية البرنامج النووي الايراني، والتسوية على المسار الفلسطيني، والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط، اضافة الى تداعيات ضعف السلطات المركزية في كل من سوريا ومصر والاردن ولبنان، على الامن الاسرائيلي.

مخاطر كامنة
لجهة النووي الايراني، حذر التقدير من الاخطار الكامنة في تبلور اتفاق اشكالي بين ايران والدولة العظمى، يكرس ايران دولة حافة نووية، عبر إبقاء إمكانات حقيقية بحوزتها لاستمرار ودفع البرنامج النووي الايراني قدما، على خلفية ضعف الرافعتين الاساسيتين للضغط على ايران، نظام العقوبات وصدقية الخيار العسكري.
اما بخصوص المفاوضات الاسرائيلية ــ الفلسطينية، فلفت التقدير الى الابعاد السياسية والامنية لعدم نجاح المفاوضات، الذي يمكن ان يؤدي الى حملة دبلوماسية وقانونية ضد اسرائيل في الساحة الدولية، وإلى مفاقمة المقاطعة الاقتصادية، وبدرجة اقل، تطور مواجهة العنف في الضفة الغربية وايضا في مقابل حماس في غزة.
ورأى التقدير أن السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، يمكن أن تمثل تحديا لاسرائيل في اعقاب التغيّر في طابع السياسة الاميركية، لجهة اهتمام الادارة الاميركية المتزايد، بآسيا، اضافة الى ضعف النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، وهو ما ظهر في ارتداعها عن استخدام القوة العسكرية في بؤر ازمات في المنطقة، في اشارة الى ايران وسوريا، والتركيز بدلا من ذلك على المسارات الدبلوماسية، وجزء منها اشكالي.
ولفت التقدير الى مصدر تهديد اضافي يتمثل بالاثار التي يمكن ان يؤدي اليها استمرار الهزة في العالم العربي، على الدول المجاورة لاسرائيل، وهي سوريا ومصر والاردن ولبنان، مشيرا الى ان عدم الاستقرار في هذه الدول، وعلى نحو خاص ضعف السلطة المركزية فيها، سيكون له اثار تهدد الامن القومي الاسرائيلي.

الفرص الاستراتيجية

السؤال الاساسي الذي مثل محور البحث والتقدير لدى المركز، تركز على طبيعة البديل الذي سيسود في العالم العربي، بفعل استمرار الهزة التي يمر بها، وتحديدا بعد سقوط الاخوان المسلمين. وفي هذا المجال، عُرضت عدة سيناريوهات، بدءا من عودة الديكتاتورية العسكرية، كما حدث في مصر، ومرورا بامكان ضعف انظمة الحكم، التي تنطوي على خطر انهيار الدول و / أو تحولها الى دول فاشلة، وصولا الى تعزز القوى الاسلامية المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة والسلفية الجهادية. ولفت الى أن المسار الذي يتبلور في سوريا، يدمج بين الخيارين الاخيرين، وهو ما سيكون له اثاره على موازين القوى الاقليمية.
ورأى التقدير ان هذه التطورات، تنطوي على اخطار وفرص على حد سواء بالنسبة إلى اسرائيل. فمن جهة، «تعزز حالة عدم الاستقرار في الدولة القريبة وضعف انظمة الحكم فيها، من فرص تغلغل تنظيمات عسكرية – غير دولة – بالقرب من الحدود، ويفاقم من الاخطار على الامن الجاري، كما يجري في سيناء، وبدأ بالتطور على الحدود مع سوريا، في المناطق القريبة من الحدود الاسرائيلية». الا ان التقدير شدد على ان «انتشار هذه الجهات الارهابية على الحدود مع اسرائيل، لا تمثل تهديدا استراتيجيا لها».
واكد التقدير أن «على اسرائيل الاستعداد لبلورة عقيدة ملائمة لمواجهة هذه المسائل»، مع الالتفات الى انّ «من الخطأ وصف التهديد الذي تمثله هذه التنظيمات، على أنه تسونامي وتهديد مركزي لاسرائيل».

في المقابل، رأى تقدير المركز أن «الفرص الاستراتيجية لاسرائيل، والكامنة في التطورات التي يشهدها العالم العربي، هي أكثر من الاخطار. وتتمثل هذه الفرص، في تفاقم الصراع بين المحور السني، الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية، والمحور الشيعي، الذي تتزعمه ايران». واشار التقدير الى ان «تفاقم هذا الصراع وضعف المحور الشيعي، في هذا الصراع، وخاصة بعد الحرب الدائرة في سوريا، وسَّعا من هامش المناورة لدى اسرائيل في الشرق الاوسط، وانتجا فرصا لتوسيع التعاون بينها وبين دول المحور السني».
لكن التقدير عاد واكد أن «احتمال بقاء نظام (الرئيس السوري بشار) الاسد قائم». ورأى أنه «في ضوء حالة التعادل التي تجسدت في سوريا بين النظام والمتمردين، سيكون النظام ضعيفا في كل الاحوال، كما ان حليفه حزب الله، قد تضرر سياسيا في لبنان»، مشيرا الى ان «تراجع وضعف الاخوان المسلمين، وسَّعا من امكان التعاون بين اسرائيل والدول السنية المعتدلة، التي توصف بأنها جزء من المعسكر الغربي في العالم العربي».

الى ذلك، رأى التقدير أن ضعف السلطات المركزية في الدول المجاورة لاسرائيل، وتركيزها على المشاكل الداخلية، يضعفان الى حد كبير من التهديد العسكري التقليدي الذي تمثله جيوشها، حتى لو ادى الى تصاعد الوزن النسبي للتهديدات العسكرية غير النظامية وغير التماثلية في المنطقة.

انطلاقاً من أن التهديدات والفرص الماثلة أمام إسرائيل هي التي تحدد أهدافها السياسية والامنية، والمجالات التي ينبغي التركيز عليها من أجل تعزيز الاتجاهات الايجابية وكبح الاتجاهات السلبية، حدد التقدير الاستراتيجي السنوي لمركز أبحاث الامن القومي أن «الهدف الاول، بالنسبة إلى إسرائيل، إزاء التحدي الإيراني، يتمثل في دفع إيران الى الوضع الذي تضطر فيه الى التوصل مع الدول العظمى الى اتفاق دائم يضمن إبعادها عن امتلاك قدرات نووية عسكرية، لمسافة تزيد على سنة».

ومن أجل ذلك، يؤكد التقدير، «تحتاج المفاوضات الى وسائل ومسارات سياسية وضغوط وإغراءات اقتصادية، الى جانب التلويح بتهديد عسكري ملموس، ليس فقط من جانب إسرائيل بل أيضاً من قبل الولايات المتحدة»، مضيفاً أن على إسرائيل «التركيز على محاولة التأثير على مضمون الاتفاق بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وبين إيران، وتقليص قدرة الاخيرة على خداع الغرب. في الوقت نفسه ينبغي على إسرائيل أيضاً أن تواصل الطلب من الولايات المتحدة الإبقاء على نظام العقوبات وعدم تخفيفها ما دامت تضع صعوبات أمام التوصل الى اتفاق دائم». ضمن هذا الاطار، «ينبغي على إسرائيل المحافظة على استخدام الخيار العسكري، إذا ما تطلب الامر ذلك».

في مواجهة محور إيران حزب الله وسوريا، أوضح التقدير أن «هدف إسرائيل في هذا المجال يتمثل في إضعاف هذا المحور وتفكيكه»، لافتاً الى أن «تغيير النظام في سوريا يخدم هذا الهدف ويبعد حزب الله وإيران عن التأثير في هذه الدولة». لكن التقدير عاد ولفت الى أن «الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا، لجهة ما يجب القيام به من أجل تسوية الوضع في سوريا، تجعل تحقيق هذا الهدف مستبعداً». وفي ضوء القلق السائد في الدول الغربية، نتيجة انهيار الوضع في سوريا، والخوف من تحولها الى جيوب وكانتونات، تسيطر فيها القاعدة والتنظيمات الجهادية، رأى التقدير أن «على إسرائيل أن تقرر موقفها من مسألة تحول سوريا الى دولة فاشلة وممزقة، تستخدمها المجموعات الجهادية كقاعدة لها على الحدود الشمالية». وأوصى أيضاً أنه «في حال بقي نظام (الرئيس بشار) الاسد، على إسرائيل مواصلة دراسة تنفيذ ضربات عسكرية تستهدف الاسلحة الاستراتيجية في سوريا، من أجل منع نقلها الى حزب الله في لبنان أو سقوطها في أيدي جهات جهادية في سوريا نفسها». وتوقع التقدير أن «سوريا ستمر بفترة عدم استقرار طويلة تشكل تحدياً للأمن الجاري في إسرائيل، وبشكل خاص على الحدود بينها وبين سوريا، وبينها وبين الاردن، وإمكانية أن تؤدي الى زعزعة المملكة الاردنية».

أما بخصوص ضمان الحدود، فلفت التقدير الى أنه ضمن إطار «المعارك بين الحروب، من الحيوي لإسرائيل المحافظة على التنسيق الامني مع الجيشين المصري والاردني، وتنمية الاتصال المباشر بين الاجهزة الامنية الإسرائيلية وبين شركائها في الدول العربية، في عملية مكافحة الارهاب». وحدد التقدير أن الهدف من ذلك هو «منع حصول تدهور يخرج عن السيطرة في أعقاب تنفيذ عمليات ضد إسرائيل من قبل الجهاد العالمي أو حزب الله وتنظيمات متطرفة أخرى». لجهة المسار السياسي الإسرائيلي الفلسطيني، رأى التقدير أن «التقدم في هذا المسار سيحسن فرص إسرائيل في دفع مسارات التطبيع وتعميق التعاون الامني مع جيرانها في المنطقة، إضافة الى المزايا المباشرة التي يمكن أن تستخلص من أصل التقدم في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني».
في ما يتعلق بحماس في قطاع غزة، حدد التقدير أن «هدف إسرائيل في هذا المجال إضعاف قدرتها على إلحاق الضرر بإسرائيل، ومن أجل ذلك ينبغي استغلال ضعفها بهدف بلورة تفاهمات على قاعدة الهدوء الأمني، مقابل تطوير اقتصادي وتسهيلات في المعابر الى القطاع». ضمن هذا الاطار، تابع التقدير أن «على إسرائيل التأكيد على أن حماس مسؤولة عن قطاع غزة، وتقع عليها مسؤولية منع النشاطات الارهابية والهجمات ضد إسرائيل من قبل المنظمات العاملة في القطاع.

وفي حال تواصل مسار ضعف حماس، وتعزز منسوب معارضتها وسط السكان في القطاع، ستتشكل فرصة من أجل تأسيس ائتلاف مع مصر والدول العربية المعتدلة من أجل تعزيز الضغط عليها، بهدف وضعها بين خيارين: إما فقدان السلطة، في القطاع، أو تغيير توجهاتها والاستعداد للبدء بتهدئة متواصلة مع إسرائيل، توافق معها على التعاون والمصالحة مع السلطة الفلسطينية».
وأضاف التقدير أن «على إسرائيل الطلب من حماس، بالتنسيق مع مصر، تحمّل مسؤوليتها إزاء النشاطات «الارهابية» من قبل جماعات الجهاد العالمي التي مصدرها قطاع غزة، ولكن تعمل من خلال صحراء سيناء ضد إسرائيل».

لجهة التنسيق السياسي والتعاون الاستخباري، «ينبغي على إسرائيل تعميق التعاون السياسي والاستخباري والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي… مع الدول الغربية، وبشكل خاص مع الولايات المتحدة، ومع الدول العربية البراغماتية في مواجهة تنظيمات ــ غير دولة». وأضاف التقدير أن «على إسرائيل العمل من أجل تأسيس تعاون جديد وتعزيز التنسيق مع المملكة العربية السعودية، والامارات، ومصر والاردن وأيضاً تركيا، من أجل العمل معاً لمنع عمليات تهريب الوسائل القتالية، وتسلل النشطاء الارهابيين عبر الحدود».
الى ذلك، أوضح التقدير أنه في ضوء ارتباط إسرائيل بالمساعدات الامنية والسياسية الاميركية، وما تشكله العلاقات مع الولايات المتحدة من أهمية في صورتها الردعية في المنطقة، «على إسرائيل أن تحافظ على تعاونها مع الاجهزة الامنية الاميركية، ومنع تشكل مسارات سلبية عبر أخذ المصالح العالمية والشرق أوسطية للولايات المتحدة بالحسبان». وضمن هذا الاطار، أوضح التقدير أن «على إسرائيل الامتناع قدر الإمكان عن المس بحرية العمل السياسي والامني للولايات المتحدة، لدى تنفيذ إسرائيل حقها في الدفاع عن نفسها.

ملاحظة: يصدر هذا التقرير سنوياً عن مركز أبحاث الامن القومي في تل أبيب. ونقل ملخصه الاستاذ علي حيدر في عدد صحيفة الاخبار اللبنانية الصادر يوم الاربعاء في 29 كانون الثاني 2014.

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: