هيدا مش فيلم مصري .. هيدا أسوأ

30 04 2014

صحون زجاجية مكسرّة موضوعة على طاولة كبيرة تتوسط المسرح. لعلّ رمزية هذا الديكور يعبّر افضل تعبير عن المسرحية التي أخرجتها لينا أبيض والتي عالجت موضوع تعنيف النساء في ضوء حالات تعنيف شهدتها البلاد من اقصى شماله الى اقصى جنوبه. قصص حقيقية عن نساء معنفّات جمعتها أبيض من خلال التعاون مع جمعية كفى عنف وإستغلال، في توليفة يمر عرضها دون سياق معين لناحية القصص أو المكان أو الزمان، وفي هذا رؤية إخراجية ابدعت أبيض في صنعها خاصةً أن القصص ليست مونولغات فردية تبدأ بممثل أو ممثلة، انما تتداخل فيما بينها لتبدأ قصة معينة، ثم نسمع بداية لقصة أخرى مع ممثل(ة) آخر وهكذا دواليك.

. بيد أن الرؤية الاخراجية هذه، وان كانت موفقّة بسبب القصة الواقعية وأداء الممثلين الجيد بشكلٍ عام، الا أن العرض المسرحي بدا وكأنه مقتصر فقط على السردية. بإعتقادي، كان من الممكن مثلاً إضافة بعض المؤثرات السمعية أو البصرية التي من شأنها تنويع الحركة على المسرح كي لا يشعر المشاهد بالملل، خاصة أن بعض القصص تحمل في طياتها ضرباً وعنفاً لفظياً وتهديداً بالسلاح والسكين وإدماناً على الحبوب المهدئّة الخ.

خلال مشاهدتي العرض، شعرت بأن أبيض أرادت ايصال فكرة مفادها أن التعنيف ليس وليد لحظته انما هو عملية مترابطة لها بدايات بعضها ظاهر وبعضها كامن. ولعّل هذا الامر هو الذي دفعها الى استعراض قصص الحب المفعمة بالعشق والولع في مرحلة تعرف الحبيبين، ثمّ كيف يبدأ هذا الشعور تدريجياً بالاختفاء خلال مرحلة الخطوبة أو الزواج، ثم نصل الى ذروة التعنيف خلال الحياة الزوجية وبعد انجاب الاطفال تحديداً ويعكس وصول التعنيف اللفظي والجسدي بحق المرأة مداه الاقصى بعد انجاب الاطفال، يعكس نظرة الرجل الشرقي التقليدي والذي ينظر الى المرأة كأداة جنسية ليس الاّ. فهو أوقعها بهيامه، جهّز مستلزمات الزواج، أصبحت اسيرة قفصه: هنا حصراً يبدأ التعنيف لانّ يكون قد بلغ مراده بالارتباط بها وهذا ظهر جلياً خلال جميع القصص التي رواها الممثلون، فهي قصص حدثت في خضّم الحياة الزوجية.

ملصق المسرحية

ملصق المسرحية

بدا غريباً لوهلة دخول عنصر النص الشكسبيري في سياق العرض، الا أن أبيض أوضحت بعد انتهاء العرض، بأن الاستعانة بشكسبير يهدف الى القول بأن العنف ضدّ المرأة ليس خاصية مشرقية وانمّا يشكل أيضاً ظاهرة مرضية في المجتمعات الغربية. الممثلون الشباب والذين يؤدّون دور المعنفين ظهر جميعهم بربطات عنق أريدت ربما أن تعكس الموقع الاجتماعي للرجل المعنّف والذي قد يكون شخصاً مرموقاً أو شخصية مؤثرة في محيطه الاجتماعي والمهني بعكس النظرة التي تميل الى الاعتقاد بأن الرجل المعنّف هو أمي وجاهل ويعيش في الريف وما زال متمستكاً بعادات وتقاليد بالية. هذا التعميم المغلوط أصلاً دحضته أحداث التعنيف الاخيرة التي شهدتها البلاد، اذ أن جزء كبير من هؤلاء الرجال المعنفين يعيشون في المدن لا في الارياف، ولديهم سمعة حسنة لدى جيرانهم وأصدقاؤهم! ملاحظتي الاخيرة أن إرتداء الممثلات ملابس ذات ألوان زاهية قد تعكس رغبة المخرجة في اظهار شخصية المرأة بأنها شخصية جملية ولطيفة ومحبّة للحياة بدلاً من اللون ألاسود الذي يريده لها بعض رجال هذا الوطن.

التعنيف ضدّ المرأة ليس مفصولاً عن ظاهرة العنف المدوية والمنغمسة الجذور في مجتمعاتنا العربية التي أدمنت الدم، وسط مجتمعات قائمة على نظم بطريركية تقدّس صورة الاب-القائد في الاسرة، والرجل-القائد في المجتمع. كل هذا مترافقاً مع سطوة المؤسسة الدينية على رقاب الناس فيما خصّ خياراتهم الشخصية في بعض الاحيان وسطوة المؤسسة الامنية والتي أغلقت الفضاءات الحرة وجعلت مجتمعاتنا تعاني من عقم فكري وسياسي مهّد الطريق لديكتاتوريات شتى سواء لبست ثوب مدني أو ديني. وما الاحداث الاخيرة في الدول العربية سوى نموذج لكمية العنف الكامن فينا ولدرجة الانهيار الاخلاقي. وطبعاً الحلقة الاضعف في هذا المجال هي المرأة. ليست الديموقراطية التي ينشدها العرب بعد ثوراتهم اليوم هي صندوقة الاقتراع. الديمقراطية الحقيقية تبدأ لمّا يبطّل الرجل العربي يمّد ايدو ع مرا.

شكراً لينا ابيض على هذا العمل الرائع وألف تحية لكل الممثلين والممثلات على جهودهم.

———————————————

مسرحية ” هيدا مش فيلم مصري “، تعرض على مسرح غلبنكيان في حرم الجامعة اللبنانية-الاميركية. أيام 28 و29 و30 نيسان، ثمّ 1،2،3،4 أيّار 2014 الساعة 8:30 مساءً.

للحجز: 01-786464

03- 791314, ext: 1172

Advertisements

إجراءات

Information

One response

30 04 2014
ABEER ♔

قام بإعادة تدوين هذه على ANOTHER LIFE.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: