بعض أطفال العرب في الحرب يولدون

8 05 2014

قاربت الساعة الرابعة فجراً وانا مستلقية في فراش قد تكون صفة الراحة غادرته منذ أمدٍ بعيد. على يميني نافذة مفتوحة تعكس ليلاً صاف الاديم في حرارة تنذر بصيف قاسٍ. لربما الشفق يعد العدة للبزوغ وبث انواره الاولى على وجهي المتعب الذي أضناه القلق والارق والتأمل في حزن يكدر امسيتي الهادئة.تختلط علي المشاعر وتتقاذفني الافكار والصور بينما اقلب صفحات ذلك الفصل المحدد من الكتاب الذي يتحدث عن الجزائر في تسعينيات القرن الماضي, ايام الكابوس الارهابي الذي جثم طويلاً فوق سماء وطن المليون شهيد. ايام الرعب المقدس، ذبح ابناء الوطن المسلمون بعضهم بعضاً معتقدين بذلك ان الاسلام ينتقم للدولة العلمانية. ومهما يكن من امر فإن تلك المجازر “المقدسة” خلّفت قطعاً من بشر, من نساء واطفال زهقت أرواحهم.

أنتفض اثناء قرائتي السرد الصحفي لتلك المجازر.

أعدمت ارواحهم بأبشع وسائل اعدام الجاهلية وربما اسوأ. أنتفض اثناء قرائتي السرد الصحفي لتلك المجازر وينتفض الوجه الملائكي في الفراش الصغير الى يساري. هل يقلق نومه مصير اولئك الاطفال اللذين كان من الممكن ان يتمتعوا بنوم هانىء في وطن يحرس احلامهم الصغيرة؟ لنعد الى حقبة الرعب المقدس في الجزائر حيث على المقلب الآخر كان شعب العراق يعاني من رعب من نوع آخر, فشبح الذبح الذي كان يقض مضجع الصغار في المستعمرة الفرنسية السابقة، كان يقابله رعب الموت جوعاً لاطفال دجلة والفرات الذين كانوا يدفعون فاتورة تبجح ومطامع رئيس البلاد وجاء قصاص ما يسمى بالمجتمع الدولي ليقع كالمقصلة على رؤوسهم وبطونهم الخاوية. اطفال حقبة “النفط مقابل الغذاء” اختبروا اسوأ انواع سوء التغذية والامراض المستعصية وماتوا جوعاً الى ان جاء الاحتلال الاميركي ليقضي على احلامهم وحياتهم بطرق اخرى. عاد الذبح وقطع الرؤوس بإسم الدين والشريعة وما يتبعهما من خرافات تعصف بالعقل الغوغائي الدموي الذي انتجته الجماعات “الاسلامية التكفيرية” في البلاد العربية والشرق. وبينما اكتب هذه السطور ويغفو طفلي في فراشه المريح وعلى مسافة غير بعيدة، يرقد اطفال سوريا إما تحت انقاض ما تبقى من تلك البلاد الكبيرة او في مخيمات حقيرة تقتل طفولتهم وتغتال أحلام المستقبل لديهم ربما لسنين عدة مقبلة او على شوارع وارصفة ست الدنيا التي تحتضنهم ولا تقوى على حماية انسانيتهم او ما تبقى من بسمة تدمرت مع حجارة الازقة التي غادروها في ليل اقتلع ياسمين دمشقهم ولم ينته. دمشقهم… دمشقنا… دمشق .. التاريخ, ما صنعه اسلافنا ولا زلنا نتغنى به في كتبنا وشعرنا وفننا وثقافتنا… التاريخ… هل هو ما يؤسس ويبنى عليه المستقبل؟ ام هو تواتر روايات في قاعة كبيرة فارغة يتردد الصدى فيها دوماً وابداً! وبينما خيوط الشفق تجتهد لتجد طريقها نحو الغرفة استعد لنهار طفلي الطويل الذي يقضيه في ركل الكرة مع اترابه في الزقاق الضيق للحي، يعج التاريخ في ذهني. أحاول جاهدة استعادة احداث طفولتي، فقط للمقارنة اللاواعية التي تجريها اية أمّ  بين طفولتها وطفولة اولادها. لا اجدني قادرة على استذكار اي اوقات قضيتها في الازقة مع اطفال آخرين، جل ما يمر امامي صورة قاتمة لمكان مظلم يدعى “ملجأ” واناس كثر كبار يحيطون بي ويتحدثون بامور شتى بصوت منخفض. الهموم والتعب يعلو وجوههم وبالتأكيد لا امكانية للعب او الاهتمام بطفلة قدرها ان تولد في ثمانينات القرن الماضي حيث الحروب الخارجية والداخلية تعيث في بلادها فساداً. وحدها “الكلة” الصغيرة كانت مصدر بهجة بالاضافة الى قصص ما قبل النوم التي كان كل من ابي وامي يتناوبان على قصها عليّ املاً في ان اتمتع باكبر قدر من النوم قبل ان توقظني صدمة القذيفة التالية او الصاروخ الاقرب او الانفجار المتطاير. امضيت طفولتي في انقاض وطن, لملم جراحه والصق اجزائه عبثياً ومضى في استراحته قبل موعد الدمار المقبل كمن يساق الى مصير محتوم. لكنني اعرفه, اعني اعرف وطني جيداً, اعرف تراب البلاد وتضاريسها, اعرف شعبها حكامها, درست في مدارسها وجامعاتها ومشيت على طرقاتها. أميز مبانيها ومتاحفها واخذت العديد من الصور بين آثارها وقاعات ثقافتها, ساهمت في صنع حاضرها الذي سيصبح تاريخاً بعد حين, حرصت جاهدة ولم أزل لأكون جزءاً من ماهيتها ولاترك اثراً على رمال حضارتها. تمتعت بكل هذا. غير ان كثيرين مثلي لا يعرفون من بلادهم سوى بقايا خريطة لا يفقهوا من رموزها الكثير ومفتاح ملصق بذاكرة عائلة تزرعها في اذهانهم, لا شيء سوى صور لبساتين ليمون ممتدة وكنيسة وقبة مسجد تؤرخان مرور نبي المسيحية و دخول مظفر لقائد مسلم يعاد احياء امجاده كلما احتاج العرب الى نوستالجيا.

أنشودة الطفولة

يا لحظي… لم اولد في مخيم ولم اصبغ بصفة لاجىء, لم ار اطفال بلادي على شاشات التلفزة تصنع بحجارتها تاريخاً حقيقياً للمرة الاولى من المحيط الى الخليج بينما اذهب كل صباح الى مدرسة تابعة لأمم متحدة شرعت اغتصاب بلادي وتهجيري وشعبي خارجاً ولم تتوقف عن جعم حصاري وقتلي بشتى الوسائل يا لحظي… انتهت حروب بلادي قبل ان اموت وسمح لي بأن اتعرف الى وطني, ولربما الكثيرين من اطفال هذا الجيل في هذا الشرق الغارق في دماءه لا يتمتعون يهذا الترف. اضاء النور الغرفة, وتحرك الجسد الصغير متململاً من عمق النوم. وقف في سريره ينظر الي ببسمته الصباحية المعهودة. اعلم انه يتحرق لبدء النهار الطويل في اللعب بحرية والجري دون كلل مع اترابه خارجاً, حيث الشمس والنور حقيقيان ولكن لا ضمانة لاستمرارهما, فقد يجثم الليل بسواده المخيف مؤذناً بانهاء الاستراحة المسالمة والعودة الى دورة التاريخ تتحول كرة القدم في هذا الشرق اللعين  تنهدت طويلاً وبادلته الابتسام, ورجوت دفن ذاك الخوف الدائم من الى لعبة بنادق تغتال الحياة والطفولة مرة اخرى في هذا الجزء الصغير من مستنقع الشرق الاحمر.

جود ينام ليحلم، بينما أنا أحلم لانام.  

بقلم نسرين زهر الدين 

 

 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: