“نفس” بديع أبو شقرا

7 06 2014

لطالما تسآلت لماذا أغلب الادوار التي أدّاها الممثل بديع أبو شقرا في أعماله سواء تلك التي قدمها على التيلفزيون أو في السينما تتسم بالطابع الرومنسي. الا أنّ هذا التساؤل سرعان ما تبدّد عندما علمت أن بديع يكتب الشعر واصداره الشعري  “نفس” هو الثاني له. عبّر بديع في إحدى وثمانين قصيدة عن نفسٍ هادىء ولكنه يكاد ينفجر من حدّة الهدوء المفعم بالشغف.

الصباح والصلاة والجسد والمدينة عناصر أربعة نراها في معظم القصائد، ولعّل الاقتباس التالي ( ص. 97) يعبّر أبلغ تعبير عن تلك العناصر ” صباحك أكبر من مدينة، ولونك لون الارض ممزوج بسماء”. نقمةُ على بيروت وحنين لها في الوقت عينه: نقمةُ بسبب ضياع الامن والاحلام فيها وحنين لانّ الشاعر قد تركها منذ سنوات عديدة آملاً الاستقرار في المهجر مع عائلته. لا يخاطب بديع بيروت بل ينشدها بيروت يا نهج صلاة مغاير/ رغم أنف المرسلين/وهمك مهد الحقيقة/ حلمُ في زاويته، ملجأً للتائهين/. يطالبها بالوضوح في قصيدة ويعاتبها لانها لم تخبره أنها ستموت في قصيدةٍ أخرى.

التضرع الى الله عند بديع ليس سوى طريق يوصلك الى المرأة، فسمو الجمال عند المرأة يجعلها في مرتبة الالهة وقد يكون الشاعر متأثراً بعض الشي بالراحل أنسي الحاج وللدللالة على ذلك نقتبس التالي الوتيرة لو علت قليللاً لتخطّت الخالق برضاه/ وتيرةُ فصلاةُ فخالقُ فإمرأة/ أخاطبك بكل عبثٍ ممكن، تردّين بكل جسدٍ ممكن/ الصلاة امرأة/ والخالق امرأة. في قصيدةٍ أخرى، يكتب بديع عن إختلاط العشق بالايمان، بوصفهما فعلان في قمة ارتقاء الانسانية، ليتألق في نصّه ويستنتج أنّ الله يضيع في جنسه عندما يرى النساء.

وكأنّ الجسد، عند بديع، مطواع الرغبة و مفتاح العشق وخارطة مفاتيحها تتكون من أجزاءه. الحنّة على جسده تمّد شرايينه بالحياة والتي بدورها تولّد الشغف. ومع أنها تكره الحنة، الا أننا نراه يتغزل بجسد عشيقته من خلال ابراز صورة شعرية تستحضر الحنّة ” جسمك يوم الحصاد، خصبُ مدللُ، نبتات جنةٍ، دوائر من حنةٍ”. أماكن الشاعر المفضلّة جمعت في قصيدة واحدة بشكلٍ لافت جداً حيث استحضر من كل مدينة ما يحب – مثلاً ثلج جبل الشيخ وكأس شارع الحمرا – لم يكتف الشاعر بهذا، بل أراد استحضار حبه لابيه وأمّه في سياقات الامكنة التي يحب، فوضع ” مسدّس ” أبيه فيما لم يرد أي صفة أو شيء يسبق “أمه”  وفي ذلك رمزية مفعمة بالعشق لانّ الام لا تختصر بصفة ولا حاجة لغرض معين أن يذكرنّا فيها.

نفس بديع الفلسفيّ ظهر جلياً في نفس 21 و22 و23 بالاضافة الى 71 و77، فنراه بذلك يكتب عن نظرية التكوين والخلق والتخدير، بوصفه ” شغفُ معدوم، وحالة احتضار غير مبررّة”. عشر صيغ لمفردة ” الانتهاء ” جمعت في قصيدة تتألف من ثمانية عشر كلمة فقط في سفسطة أراد الشاعر توجيهها الى امرأة فيما ذكرتني وأنا أقرأها بدوامة الازمة السورية من كثرة ما قيل أنها إنتهت عملياً أو ستنتهي قريباً.

القضية الفلسطينية ظهرت خجولةً لا لانّ الشاعر يستحي بها، بل لانها أضحت ” شتات قضية” والوصف هنا لبديع. شعورُ بفقدان الحلم أو الرغبة في قضيةٍ كانت أممية وأصبحت اليوم تخّص الفلسطينيين وحدهم.

” سأعتزل لانّ الحروب القادمة استحضارُ لواقعات تصلح لي قصصاً لبطولاتٍ خياليةٍ ليس الاّ، نحن بخير نسينا أن نطمئّن عنكم، أعذرونا، ففتنة”، كتبها بديع في نفس انهزامي في قصيدة ” نفس 66″ الا أن الواقع العربي المرير رآه متغيراً ومنبثقاً من جسد امرأته التي يحّب ( قصيدة نفس 24)، فهي أدارت ظهرها لانّ “وجهها حياةُ للوجوه، ثورةُ جرفُ من بشر، حلم عودة وحنظلة” في رمزية حنظلة وما يجسّد من حتمية العودة.

عناصر كثيفة ومتعددة ومتداخلة مكاناً وزماناً .. مشاعر متناقضة، متوهجة، حائرة.. افكار وشذرات أفكار عن الالم والوحدة والغربة والانكسار طوعاً والطبيعة بكافة عناصرها البرية والبحرية والجوية جمعها بديع أبو شقرا وكأنه بذلك يقول أنه ينشد بعض لحظات الهدوء والسكينة في زحمة انشغالاته الاجتماعية والمهنية. ظهر هذا جلياً في مؤخرة ديوانه: بين رجل وإمرأة، بين رجلٍ ورجل، وبين إمرأة وإمرأة، وبين نساء ورجالٍ ونساء، أحتاج الى نفس”.

صدر الديوان عن دار الفارابي في طبعته الاولى في شباط 2014 وهو يقع في 135 صفحة من الحجم الصغير ويتضمن 81 قصيدة يتفاوت حجمها. وقعّ أبو شقرا ديوانه هذا خلال شهر أيار في حفلي توقيع واحدُ في بيروت وآخر في مسقط رأسه بلدة عماطور. أبو شقرا من مواليد عام 1973  وصدر  له ديوان أوّل تحت عنوان ” الرجل الذي رقص” عام 2001، أدّى أدواراً عديدة في الدراما اللبنانية، وشارك في الفيلم السينمائي ” أحبيني” عام 2003 والذي كتب نصه مروّان نجار وأخرجه ميلاد أبي رعد. سافر الى الولايات المتحدة الاميركية لاكمال تحصيله العلميّ وها هو الان مستقر في كندا.

ملاحظة: ينشر هذا المقال بالتزامن في مجلة النداء، في عددها رقم 239 الصادر يوم الجمعة في 6 حزيران 2014، ضمن صفحة ثقافة وفنون ( ص. 22) 

 

 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: