تأملات في منفى …

8 08 2014

الكاتبة: نسرين زهر الدين – كندا 

دوّى الصوت عالياً، أصيبت بهلع شديد وتراجعت لتنظر من النافذة الواسعة. أكوامُ من البرد والمياه تسقط ثقيلة سريعة، يغريها المنظر للحظات، تشعر برغبة مفاجئة في الركض الى الخارج والرقص والقفز تحت هذا المطر الكثيف، تأخذها أضواء البرق بعيداً ليجعلها تشعر كأنمّا لمست بأيديها الحرية والنور والكثير الكثير من الشغف.

مرّ شهران منذ ان وطئت قدماها هذه البلاد الواسعة البعيدة. تعجز عن تقييم التجربة، او شعورها حيالها، يعّج داخلها بالأمل الممزوج بالألم والانسلاخ عن حياة أحبتها وعاشتها بكل تفاصيلها الشيقة. يشتاق جنونها لزخات المطر، لليل مدينةٍ ترتمي على المتوسط ولا تعرف النوم.

تغريها أضواء الشوارع بالحلم اللذيذ والسباق مع ما يسمى الحاضر وربما هروب الى المستقبل القريب حيث تتمكن عيناها مجدداً من لمس تلك المدينة، وتطرب أذناها للنغمات المنبثقة عن ضوضائها. تلك الفوضّى الآسرة تنتج تقاسيم تمتزج مع أضواء وألوان ووقع أحذية بانسجام غريب مميز لا يقل رونقه درجة حتى لو تحوّل كل ما هو جامد حوله الى صدىءٍ ينذر بزوال حقبة وقدوم حقبات تتداخل فيها أعوام وأناس وأماكن جديدة.

تعود الى الواقع على وقع رنين هاتفها، تنهي المكالمة وتجلس مشدوهة تهّز أفكارها السابقة من رأسها في محاولة لم تعد صعبة البتة للعودة الى الحياة بوضعها الحالي. من غير الممكن تجاهل ما يجري هناك… الى أين العودة؟ الى قدرٍ محتّمٍ تتخبط به تلك المدينة الجميلة ومثيلاتها هناك على تلك البقعة! ليس هناك ما يوجد غير موت مجاني، أي حياة هذه؟ اي قدرة على رؤية الجمال ستحارب القدرة الإلهية على تبرير وتشريع القتل والذبح والنحر. الى موتٍ مزنّر قادم من الشرق يحمل صيحات التكبير العشوائية المعممّة لثقافة الانتحار والتخلف والتدين الاعمى؟! أي الهٍ هذا، ذلك الذي يزعم العدل والحقّ والتسامح بينما يتغاضى عن مذابح قذرة بحق شعوب كان قدرها أن تنتج حضارة وإنسانية تستغل وتستعمل من كل من زار ذلك الشاطىء زائراً، مستعمراً، تاجراً، رحالةً، فاتحاً، قاتلاً، مدمرّاً .. كله نهل من ذاك النبع الذي روته تلك الشعوب بعرقها، غير أنها تمادت في خدمة اله رضي بموتها وعذابها ودمارها وضياعها واندثارها…

ما زالت قطرات المياه الكبيرة تعكس أنوار الشارع خارج منزلها المريح، تنظر الى صغيرها يقفز فرحاً بالحدث السماوي وهو مرتاح في ثيابه الخفيفة دافئاً على مقعده . تبتسم بحرقة، فرحةً على الأقل لانه ليس كاطفال تلك البقعة من الارض الذين لا يملكون سوى الرقص عراة تحت برد المطر بانتظار موت الهي يستبيح أرواحهم الصغيرة قرباناً لجبروته وسطوته.

اتسعت ابتسامتها للصغير، خبأّت فرحها العارم الى يوم يستفيق الشرق وتشعر براحةٍ في الغرب. والى أن يأتي هذا اليوم، تردّد نشيد الفرح: ” أنا فرحة لانّك هنا .. لاننا هنا! ”

 

٧ آب ٢٠١٤

كندا 

 

 

Advertisements

إجراءات

Information

One response

28 08 2014
Kamal

جميل! و صحيح..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: