هل تتفوق القومية البريطانية على البقاء في الإتحاد الأوروبي؟

23 06 2016

ان تنسحب بريطانيا اليوم من الإتحاد الأوروبي (#بريكسيت / #Brexit) او ان تبقى عضواً فيه، يبدو للوهلة الأولى وكأنه امر لا يعنينا. غير اننا وفي هذه المرحلة من تاريخ تطور الإنسانية وانفتاح الدول والشعوب على بعضها البعض في ظل العولمة الإلكترونية نجد في المسألة الكثير من الأهمية والكثير لنتعلمه من نظريّتي “في الإتحاد قوة” او في “الإنفصال السعادة”.

هناك العديد من الأسباب التي ادت الى اجراء الإستفتاء، منها ما هو مباشر بعد الوعد الذي قطعه رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في حال فوزه بولاية ثانية في الإنتخابات التشريعية عام 2015 وذلك بعد الشكوك التي زادت من جدوى البقاء في الإتحاد الأوروبي من قبل العديد من النواب داخل حزب المحافظين الذي يترأسه كاميرون. ومن الأسباب غير المباشرة للإستفتاء بروز العديد من القوى المناهضة لمشروع الإتحاد الأوروبي داخل بريطانيا والرافضة لدخول المهاجرين من اوروبا الشرقية اليها والخوف من دخول تركيا بعد الإنتهاء من جولات المفاوضات معها لاحقاً والتي يعبّر عنها حزب الاستقلال اليميني برئاسة نايجل فاراج.(1) ويقود حالياً حملة الإستقلال عن الإتحاد الإوروبي في بريطانيا كل من وزير العدل مايكل غوف وعمدة مدينة لندن السابق (رئيس البلدية) بوريس جونسون وهو ينتمي الى حزب المحافظين ايضاً مما ينذر بانقسام حزب المحافظين الى جناحين مهما كانت نتيجة الإستفتاء.

الصورة مأخوذة من صحيفة الاندبندت

الصورة مأخوذة من صحيفة الاندبندت

تخلل التقارب بين الدول الأوروبية العديد من النماذج منذ خمسينيات القرن الماضي وصولاً الى النموذج الأكثر شهرةً وتطوراً اي “الإتحاد الأوروبي” والذي انطلق رسمياً في تشرين الثاني عام 1993 بعد التوقيع على معاهدة ماستريخت في شباط عام 1992 من قبل اثنتي عشر دولة(2) حينها ليصل العدد الى 28 دولة حتى عام 2013 تاريخ انضمام كرواتيا.(3) وقد ارادت الدول المؤسسة للإتحاد عام 1993 توجيه رسالة الى الولايات المتحدة الأميركية انها بصدد تكوين قطب منافس لها قوي ثابت ومستقر اقله من الناحية الإقتصادية،  وايضاً التدليل على ان حركة الوحدة الأوروبية قد دخلت مرحلة جديدة لا تقتصر فقط على اﻹندماج الاقتصادي، بل تستهدف أيضاً المضي قدماً في طريق الوحدة السياسية كما ورد في مقدمة معاهدة ماستريخت(4).                                                                     

وبسبب عضويتها في الإتحاد الأوروبي، تشارك بريطانيا ايضاً في مؤسسات الإتحاد الأساسية التالية: البرلمان الأوروبي، المفوضية الأوروبية، المجلس الأوروبي، مجلس الإتحاد الأوروبي، ومحكمة الإتحاد الأوروبي وتلتزم جميع القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات والتشريعات التي يتم اقرارها وهي ايضاً تشارك في المناقشات التي تدور بين الدول التي تسبق اتخاذ القرارات. فعلى سبيل المثال، تساهم بريطانيا سنوياً في ميزانية الإتحاد الأوروبي وهي تلتزم التشريعات الإقتصادية والقواعد التجارية والتشريعات الخاصة بالمهاجرين وغيرها من القرارات التي يعتبرها جزء من البريطانيين انتقاصاً من سيادتهم ومن القيود المفروضة عليهم. فبسبب السياسات الأوروبية تشير الأرقام الى ان عدد المهاجرين الى بريطانيا من داخل الإتحاد الأوروبي بلغ في العام  2015 حوالي 400 الف مهاجر يستفيدون من المساعدات الإجتماعية الأمر الذي يرفضه الكثير من البريطانيين.

لكن السؤال الأساسي، هل فعلاً بريطانيا تسعى، او هل هي تؤمن بالوحدة السياسية بينها وبين الدول الأوروبية الأخرى؟ الجواب باعتقادي هو سلبي للعديد من الإعتبارات، ابرزها:

  1. اسست بريطانيا عام 1960 “اتحاد التجارة الحرة الأوروبي” مع كل من النمسا والدنمارك والنرويج والبرتغال والسويد وسويسرا كرد على انشاء “الجماعة الإقتصادية الأوروبية” عام 1957 من قبل فرنسا والمانيا وايطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.
  2. تأخرت بريطانيا في الإنضمام الى “الجماعة الإقتصادية الأوروبية” حتى العام وهي لُقبت “برجل اوروبا المريض” بعد مرحلة من الركود الإقتصادي والتضخم بدأت في العام 1970 وامتدت لاعوام، الأمر الذي دفعها للتخلي عن “اتحاد التجارة الحرة الأوروبي” والإنضمام الى “الجماعة الإقتصادية الأوروبية” بعدما ارتفع الناتج المحلي للفرد بنسبة 95% في كل من فرنسا والمانيا وايطاليا مقارنة مع 50% فقط في بريطانيا في تلك الحقبة.(5)
  3. اجرت بريطانيا اول استفتاء للبقاء في “الجماعة الإقتصادية الأوروبية” عام 1975 بعد اقل من سنتين على انضمامها اليه، وانتهى التصويت لصالح البقاء بنسبة 67%.
  4. لم توقع بريطانيا على اتفاقية شنغن لعام 1985 والتي تسمح بالغاء عملية المراقبة على الحدود.
  5. لم تعتمد بريطانيا “اليورو” عام 1999 اي العملة الأوروبية الموحدة كعملة اساسية للتداول بل ابقت على عملتها الوطنية اي الجنيه الإسترليني كعملة اساسية.
الصورة مأخوذة من موقع ال BBC

الصورة مأخوذة من موقع ال BBC

إذاً المحافظة على الحدود وعلى العملة الوطنية واللتان تعتبران من اسس السيادة الوطنية تؤكدان على النزعة القومية والسيادية لدى البريطانيين وتفسران بشكلٍ او باخر اسباب اجراء الإستفتاء. وتبرز النزعة القومية البريطانية اكثر وضوحاً من خلال النقاط الواردة في الإتفاق الذي ابرمته الحكومة البريطانية برئاسة ديفيد كاميرون مع الإتحاد الأوروبي في شباط من العام 2016، ومُنحت خلاله بريطانيا وضعاً خاصاً لضمان استمرارها في الإتحاد الأوروبي. ويستخدم كاميرون حالياً هذا الإتفاق والذي سيصبح لاغياً إذا رفض البريطانيون البقاء ضمن الاتحاد الاوروبي لدعم موقفه من البقاء في الإتحاد. ويتضمن الإتفاق العديد من الإصلاحات يمكن تقسيمها ضمن اربعة محاور اساسية على النحو التالي:(6)

  1. محور السيادة:
  • إعطاء المزيد من الدور للبرلمانات الوطنية، والتخلي عن الخطوات التي من شأنها أن تزيد من سلطات ومسؤوليات الاتحاد الأوروبي.
  • توضيح أن عبارة “اتحاد أوثق من أي وقت مضى”، الواردة في الميثاق الأوروبي، لا تعني “التكامل السياسي” بين دول الاتحاد.
  1. محور الهجرة الداخلية:
  • تقليص الهجرة بين الدول الأوروبية، وبالأخص من دول شرق أوروبا التي انضمت حديثاً للاتحاد الأوروبي، وفرض مهلة 4 سنوات قبل دفع أي إعانات اجتماعية للمهاجرين المتحدّرين من داخل الاتحاد الأوروبي، بهدف العمل في بريطانيا.
  1. محور حماية الجنيه الإسترليني:
  • الابقاء على عملة الجنيه الإسترليني البريطانية وضمانات بعدم التمييز المالي ضد بريطانيا في السوق الأوروبية بسبب عملتها.
  1. محور المحافظة على لندن كأكبر مُقدّم للخدمات المالية في الاتحاد الأوروبي:
  • الضمانات بالحفاظ على لندن باعتبارها مركزا للمال والأعمال والاستثمارات المالية البريطانية والعالمية، وأن لا تعرقل قوانين منطقة اليورو وذلك الوضع.

ميزان الربح والخسارة ما بين الإنسحاب والبقاء في الإتحاد الأوروبي سوف يحدده فقط الشعب البريطاني اليوم. مهما علت الأصوات المنادية للبقاء او الرافضة له من قبل رؤوساء دول العالم والخبراء الإقتصاديين لن تجدي نفعاً. فالعنوان الإقتصادي هو العنوان البارز للإستفتاء. ففي حال صوت البريطانيون على البقاء، سوف يعود السبب الى الخوف من المجهول الإقتصادي والذي يتخطى بصداه المعلوم السياسي والسيادي والأمني. اما ابرز المخاوف الإقتصادية يمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • الركود الاقتصادي.
  • صعوبة وصول الشركات البريطانية إلى سوق رأس المال، وتخفيض التصنيف الائتماني لبريطانيا.
  • خسارة الجنيه الإسترليني من 10 الى 15% من قيمته وارتفاع تكاليف الاقتراض.
  • تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 5 الى 6%.
  • خسارة السوق الإقتصادية المشتركة مع دول الإتحاد ال 28 والتي تتميز بالحدود المفتوحة فيما بينها وحرية تنقل السلع والخدمات بغياب الرسوم على الواردات والصادرات. فبريطانيا تقوم بتصدير حوالي50% او اكثر من سلعها للإتحادالأوروبي وهي لا تستورد سوى 6.5%.

ففي حالة الإنسحاب سيتم التفاوض على جملة من الإتفاقات والقواعد المتعلقة بالإنسحاب لفترة سنتين تطبيقاً للمادة 50 من معاهدة ليشبونة(7)  بين بريطانيا والمجلس الأوروبي والذي سيوقع رسمياً على إتفاق الإنفصال بعد موافقة البرلمان الأوروبي عليه. وخلال هذه المدة لا تشارك بريطانيا في الإجتماعات التي تناقش مستقبلها في المجلس الأوروبي. ويعتقد الكثير من الإقتصاديين ان بريطانيا في حال انسحابها ستوفر  تكاليف العضوية التي وصلت الى حدود 8.5 مليار جنيه استرليني لتنفقها على الخدمات الصحية الوطنية. وستحصل على المزيد من الحرية في التعاملات التجارية. من وجهة نظر السياسيين انسحاب بريطانيا سيسمح لها بإعادة تأسيس نفسها كدولة مستقلة تتميز بعلاقات ذاتية مع بقية العالم.

وفي الختام، ثمة أسئلة ستطرح نفسها في المسنقبل القريب يتعدى اطار الجدل القائم حالياً ليشمل موضوعات اشكالية أخرى أبرزها:

  • هل سيشجع موضوع الإستفتاء حركة استقلال اسكتلندا مرة جديدة وهل سيؤدي الى تقويض السلام في ايرلندا الشمالية؟
  • هل سيطلق موضوع الإستفتاء عامل الدومينو الذي بدأ مع اليونان وانتقل الى بريطانيا وربما غداً الى دول اخرى؟
  • ما هو مستقبل الإتحاد الأوروبي في ظل تنامي الأحزاب اليمينة في الدول الأوروبية المناهضة لفكرة الإتحاد الأوروبي والتي تطالب بالعودة الى السيادة القومية؟

كتب المقال أعلاه الاستاذ داني حدّاد، باحث في العلاقات الدولية. 

هوامش ختامية: 

(1) تجدر الإشارة الى ان القوى المناهضة للإتحاد الأوروبي ودخول المهاجرين اليه تشمل ايضاً دول اخرى كفرنسا والمانيا والنمسا واليونان والمجر وبولندا وايطاليا والدنمارك وهولندا والتي يعبّر عنها احزاب اليمين بشكلٍ عام.

(2)الدول هي التالية: الدنمارك- بريطانيا- إيرلندا-هولندا-ﺇلمانيا-لوكسمبورغ- بلجيكا، فرنسا، ﺇسبانيا، البرتغال، ﺇيطاليا واليونان.

(3)الدول هي التالية: ألمانيا – إيطاليا – بلجيكا – فرنسا – لوكسمبورغ – هولندا – الدنمارك – المملكة المتحدة – جمهورية أيرلندا – اليونان – إسبانيا – البرتغال – السويد – النمسا – فنلندا – إستونيا – بولندا – التشيك – سلوفاكيا – سلوفينيا – قبرص – لاتفيا – ليتوانيا – مالطا -المجر – بلغاريا – رومانيا – كرواتيا.

(4)                                                         http://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=uriserv:xy0026

(5)                        http://www.ft.com/cms/s/2/202a60c0-cfd8-11e5-831d-09f7778e7377.html#axzz4CJlkp5jW

(6) النقاط الأربعة التي يتضمنها الإتفاق هي واردة  على المواقع الإلكترونية ادناه وهي منقولة بتحفظ مع اضافة عنواين لها:

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2016/06/160621_uk_eu_referendum_need_to_know?ocid=socialflow_twitter

https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/2/20/بريطانيا-والاتحاد-الأوروبي-وضع-خاص-بانتظار-استفتاء-23-يونيو

https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/6/21/استفتاء-بريطانيا-وسيناريوهات-اليوم-التالي-1

(7)           http://www.lisbon-treaty.org/wcm/the-lisbon-treaty/treaty-on-European-union-and-comments/title-6-final-provisions/137-article-50.html

للتواصل مع الكاتب، يرجى مراسلته على بريده الالكتروني: dany.ehaddad@gmail.com

 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: