رسالة إلى ابنتي في المستقبل – خلود خدّاج

3 07 2016

حبيبتي شاء القدر أن تولدي أنثى في مجتمع ذكوري مريض فتتساءلين إن كانت تلك نقمة أو عقاب من الله. شاء قدرك أن تولدي نجمة براقة في مجتمع يخاف الضوء و يختبئ في سراديب الظلام هربا من العار، ذاك المصطلح الذي قد عرفه في قاموسه وفقا لعقليته المتخلفة الهمجية. ها أنت اليوم تبصرين النور في أمة جعلت من نفسها مقبرة تؤد فيها كل فتاة و تدفن طموحها ، أمة خائبة لا تتسع ﻷحلام فتاة تمردت على واقعها فحطمت قيود الاستعباد التي صنعه لها مجتمعها و خلعت طوق الخضوع الذي ألبسه إياها بل لا تتسع لها أصلا كيلا تكون قدوة لمثيلاتها. أنت اليوم ولدت في مجتمع اعتاد رسم خارطة حياة كل فتاة منذ ولادتها فتبدأ بطاعتها ﻷبيها و أخيها لينتهي بها المطاف تطيع زوجها الذي قد اختاروه لها بعد أن تابعت دراستها للإختصاص الذي سبق و حددوه مسبقا هذا إن نالت فرصتها في استكمال علمها؛ تلك الخارطة التي حددت مصير من ولدن من قبلك فكان عليهن التخلي عن الكثير من أحلامهن و تطلعاتهن ليتماشين مع مفاتيحها.

أراك اليوم إشراقة أمل في مجتمع بائس قضى عمره ينعي نساؤه واحدة تلو اﻷخرى بعدما اختلت رجولية ذكوره، ذاك المجتمع الذي ما انفك يصنف نساؤه بعبارات قبيحة ليست سوى ترجمة لتخلفهم فمرة يصفهم بالناقصات و اخرى بقليلات العقل.. أخاف عليك أن تكوني ضحية أفكارهم و رهينة كلامهم الذي لا يرحم، أن تصبحي أسيرة مرضهم المزمن فينسجون لك الثوب الذي يختارونه و يعصمون عيونك عن أفق التحرر و الاستقلالية فتضيعين في تلك المتاهة التي بنوها لك كي لا تصلي لمبتغاك.. أخاف أن تفقدي هويتك التي ولدت بها فيستنسخون لك واحدة تلائمهم حيث يعدلون فيها صوتك ليصبح ذا نغمة منخفضة لا يكرر سوى تعليماتهم و يبدلون تطلعاتك لمستقبلك فتتصورينه بجانب عريس تتكئين على حافة المجلى تعدين له الطعام بعد أن استغنيت عن دراستك إذ قاموا باقناعك أن نهاية كل فتاة في مطبخ زوجها. أخاف عليك من ذئاب شرسة تغلبت عليها غريزتها تمنعك من التنقل و التصرف بحرية حيث تأخذ أحداث حياتك مجراها في النهار فقط.. أفزع يا جميلتي أن تضعفي.. ابنتي، وصيتي لك أن تكوني قوية، فلا تسمحي لتفهاتهم أن تسيطر عليكي، إن أحببت فجاهري بحبك لا تخافي من أحكامهم عليك، لطالما اصدروا الكثير منها ظلماً و افتراءاً؛ و إن انزعجت يوما من واقعك انتفضي، ثوري على ألمك، دافعي عن حقك، ناضلي من أجل سعادتك.

 

احلمي قدر ما تشائين و لا تتخلي عن أحلامك فهي ملكك فقط واسع لتحقيقها ما دمت قادرة على ذلك، ناقشي حاوري تثقفي فلا تكوني فقط تلك الفتاة التي يقتصر دورها على الطبخ و التبرج و متابعة الموضة فقط.. اهتمي بمظهرك إنما تأنقي بذكاؤك و حضورك الذي يسحر اﻷلباب، قد يحبطونك آلاف المرات خوفا على أبصارهم من وهج بريقك لكن في كل مرة امتصي خوفهم و ضعفهم كي تزيدي من قوتك.. لطالما ولدت حرة لا تسمحي لهم أن يستعبدوك و يسيطروا عليكي، كافحي من أجل تلك الحرية قد تتعثرين لكن لا تستسلمي أبدا، تسلحي بشخصيتك القوية و ابتسامتك، اضحكي دائما و استمتعي فولادتك ليست عقاب كما ستظنين بل رسالة و أنت الرسول.. ارسمي متى تلبدت اﻷفكار في رأسك و عبري، ارقصي و إن انتقدوا خطواتك، دعي أنغام الموسيقى تصدح في أرجاء المنزل اعزفي أجمل اﻷلحان. اتخذي من الكتاب صديقا حارسا لك و امتشقي قلمك لتكتبي عن آلام من حولك و عن اﻹنسانية المعدومة و الرجولة المفقودة، اكتبي عن الفرح كما الحزن، انشدي اﻷمل الذي نحتاجه و أعلني بداية ثورة تهديها لروح كل امرأة و فتاة قتلها زوجها و ضربها أباها و عنفها أخاها، كوني أنت ربان سغينتك التي لن تهزمها الرياح ما دمت قد حصنت نفسك جيدا. عيشي متعة الجنون و اختبري رهبة الحكمة و الرصانة. كوني ميزان فاعطي كل وقت حكمته و اعدلي في حياتك، لا تدعي هاجس السن ينسيك كيف تعيشين حياتك و لا تخشي اليوم الذي تبدو فيه تجاعيد وجهك و يشيب فيه شعرك بل اسع أن تكتسبي الحكمة الكافية و المعرفة اللازمة لتكوني جدة رائعة آنذاك. إياك أن تغرقي في القشور..بنيتي لا أنكر خوفي عليك لكن فرحتي بمجيئك و ثقتي بك أكبر بكثير، تمردي كوني تلك المتمردة التي لن تهاب شيء و التي لن يقف أحد في وجه سعادتها، و أخيرا كوني أنت كما تريدين أن تكوني…

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: