” بيروت واو “: الدراما الحقيقية

8 07 2016

خاض كاتب ومخرج العمل فادي ناصر الدين مغامرةً تحسب له لانه أجاد صنع دراما حقيقية تختلف عن كل ما عرض خلال شهر رمضان وقبله حيث تتسم الدراما اللبنانية بتصوير حياة بعيدة عن الواقع الآف السنين الضوئية. من خلال شخصيات مستمدة من الواقع، رصد ناصر الدين ايقاع مدينة تتخبط بهويتها جاعلاً كل شخصية تتطور وفق رغباتها وواقعها المعاش، وليس وفق خط بياني تصاعدي للاحداث يوصلنا الى الذروة كما هو المعهود في النصوص الدرامية. فخلال المسلسل، تبدو الاحداث صنيعة شخصيات المسلسل أي بمعنى آخر أنّ لكل شخصية حدثها  المتوقع والمفاجىء، لتتكامل أدوار الجميع في قالب درامي لا يخلو من توجيه رسائل سياسية واجتماعية مباشرة لا مبطنة تصيب مدينة تغرق في مشاكلها ومواطنين يتخبطون فيها.

يارا أبو حيدر ( يمين الصورة)، ديامان أبو عبود ( من اليسار)

يارا أبو حيدر ( يمين الصورة)، ديامان أبو عبود ( من اليسار)

بدا النص حقيقي حدّ الدهشة اذ هي المرة الاولى التي نشاهد مسلسلاً لبنانياً حواراته تشبه حواراتنا في البيت والشارع ومكان العمل والمدرسة والجامعة. اضافةً الى ذلك، طعّم كاتب النصّ الحوارات ببعض تعابير الشارع البيروتي والبقاعيّ لينسجم مع أماكن تصوير المسلسل ولينسجم ايضاً مع مدينة تضمّ سكاناً من مختلف المناطق اللبنانية دالاً على حيويتها وتركيبتها الاجتماعية الفريدة. حوارات دون تكلفة ومبنية على الحديث اليومي المباشر بين المواطنين في مدينتهم وحوار يستند بشكل أساسي الى قول ما لا يقوله أحد عن المجتمع فيخرق بذلك ناصر الدين تابو درجت الدراما اللبنانية على تسويقه الا وهو الحديث بشكل عام عن أوضاع البلاد، أو في أسوأ الاحوال إخفاء مشاكل البلاد وتناقضاتها الطائفية والطبقية. في ” بيروت واو”، نجد العكس تماماً اذ ثمة ابراز متعمّد لواقع البلاد وحالها دون تجميل أو روتشة أو محاولة اخفاء. في هذا السياق، وفي معرض ردّه على بائع الصحف غازاروس، يقول الممثل القدير زياد أو عبسي: ما حاجة البلاد الى رئيس جمهورية وبرلمان وحكومة، يحتاج البلد الى شرطي سير لينظّم حركة السيارات، وقاضٍ لحلّ المشاكل بين اللبنانيين، ولحّام يحاول دوماً أن يوهمك بأنه سيعطيك أفضل ما لديه من لحمة، الا أنه ومع ذلك يعطيك ” الجلاميق “.

مصطفى الصوصة ( يمين الصورة )، وليد جويدي ( يسار الصورة)

مصطفى الصوصة ( يمين الصورة )، وليد جويدي ( يسار الصورة)

هذا على مستوى النص، أمّا على مستوى الممثلين فقد أجاد ناصر الدين الجمع بين ممثلين محترفين كديامان بو عبوّد وزياد أبو عبسي ويارا أبو حيدر ورودريغ سليمان وطارق تميم وسامي حمدان ومحمد عقيل وزينب عساف وممثلين هواة. الاّ أن المجازفة الكبرى كانت في اسناد أدوار أساسية لاناس يمثلون واقعهم الحقيقي، كشخصية اللحّام ( مصطفى الصوصة)، وصاحب محل الاجهزة الخلوية ( وليد جويدي) والناشط السياسي ( عطالله السليم)، وصاحب مقهى ( ربيع الزهر). تلك المجازفة كانت موفقة جداً حيث أضافت الى العمل كثيراً وبدا أن هؤلاء الاشخاص يتكاملون مع شخصيات العمل ألاساسية، ونتيجة ذلك الاحتكاك تطورت أحداث المسلسل. اذا أخذنا العلاقة مثلاً التي تجمع بين المذيعة التلفزيونية ( ديامان أبو عبود) وصديقتها معّدة البرنامج ( يارا أبو حيدر)، نستطيع تبيان أن أشخاصاً كثر يدخلون في سياق العلاقة المهنية والشخصية التي تجمعهمها، وهؤلاء هم مساعد الاعداد والمخرج ومدير المحطة وبائع الورد والناشط السياسي. شبكة العلاقات تلك التي يختزنها المسلسل بتقاطعاتها الافقية والعامودية هي بيروت: المدينة والحلم. يكفي، على سبيل المثال، أن تتخيّل كمية الاشخاص التي يمكن لصاحب مقهى أو حانة تقع قي بيروت أن يعرفها. وبالطبع، كل شخصية لديها قصة، وكل قصة لديها تشعبات مع قصص أخرى لتبدو الدهشة أخيراً ميزة من ميزات هذه المدينة.

غازاروس ألطونيان ( يمين الصورة) زياد ابو عبسي ( يسار الصورة)

غازاروس ألطونيان ( يمين الصورة) زياد ابو عبسي ( يسار الصورة)

يتطرق المسلسل الى مشكلات وأزمات بعض منها مرتبطة بشخوص المسلسل وهي بأغلبها مشاكل شخصية ومهنية وعاطفية، والبعض الآخر مرتبطة بالوضع العام بالبلد كأزمة النفايات مثلاً. وفي هذا الاطار، يقول المسلسل كلاماً جريئاً عن الازمة ويرصد كيف تقاطعت هذه الازمة مع شخصيات العمل الاساسية. أعتقد أنّ كاتب النص أراد ليس التعريج فقط على أزمة النفايات وانما تصوير حال المدينة  على وقع هذه الازمة وكيف اختلطت مع المواضيع المطروحة على بساط البحث علماً أن اولى اشارات التطرق الى تلك الازمة كانت في الحلقة 12 أي قبل بلوغ عدد الحلقات النصف. على مستوى آخر، برزت أزمة النزوح السوري من خلال استضافة الشاعر طلال لزوجين سوريين مع طفلتيهما، حيث سكنا في بيتٍ يقع قرب منزل طلال. هنا يقع العمل في فخّ ال wishful thinking حيث حصل الزوجان على متطلباتهم في العيش الكريم بسهولة تامة خاصةً المسكن والمأكل والتعليم والترفيه على عكس الحالة العامة التي تطال اللاجئين السوريين في لبنان لناحية التمييز الحاصل ضدهم على المستوى القانوني والاقتصادي والاجتماعي تصل أحياناً الى عنصرية مقيتة من قبل بعض فئات الشعب اللبناني. على سبيل المثال، وعند تسجيل الطفلة السورية ” ميسو ” في المدرسة، بدا الامر سهلاً للغاية وهذا ما يدحضه الواقع حيث هناك عوائق عديدة تحول دون انخراط التلامذة السوريين في المدارس اللبنانية خاصة الرسمية منها.  هذا الواقع لم يصورّه المسلسل على الرغم من وجوده بشكل كثيف، فالعائلة السورية النازحة في هذا المسلسل من حسن حظها أنها وجدت شخصاً طيباً مثل طلال وآخر خدوماً مثل عبد الكريم ( الممثل محمد عقيل). في واقع الامر، فانّ ليس كل عائلة نازحة ستجد أشخاصاً مثل طلال وعبد الكريم. بدا هذا الامر الثغرة الاساسية في العمل، الا أنه لم ينفي حقيقة أنّ المسلسل لامس أوجاع الشعب السوري النازح حيث الالم والوحدة واحتمالات المجهول والتفكير بالهجرة حتى ولو بطريقة غير شرعية.

وعد قويدر ( اليمين)، الطفلة أميرة " ميسو " في الوسط، حسام شرواني ( يسار الصورة)

وعد قويدر ( اليمين)، الطفلة أميرة ” ميسو ” في الوسط، حسام شرواني ( يسار الصورة)

بناءً على ما تقدّم، نجد أمامنا دراما واقعية خفيفة الظل، جدية بمواضيعها، جريئة بكيفية طرحها، وفيها لمسة كوميدية تشبه سوريالية هذه المدينة. ان هذه المكونات جعلت المسلسل ينجح على مستوى النصّ وأداء الممثلين والموضوعات المطروحة وطريقة اخراجها. صحيح أني مثلّت بالعمل، الا أنيّ حاولت في هذا المقال النقديّ أن أبقى موضوعياً قدر الامكان، محاولاً رؤية الامور كمشاهد عاديّ واظب على حضور حلقات العمل الثلاثين. عسى أن أكون نجحت بذلك.

طارق تميم ( يمين الصورة)، سامي حمدان ( يسار الصورة)

طارق تميم ( يمين الصورة)، سامي حمدان ( يسار الصورة)

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: