الكلمة الاخيرة

12 07 2016

كاتبة النصّ: خلود خدّاج

تناولت لقمتها اﻷخيرة و غصت بالدموع  في حين كان يمر شريط الذكريات في ذهنها طارقاً الباب على ندبات خلفتها قسوة  الزمن.  في غرفةٍ صغيرةٍ تطل على  حديقة  متواضعة يتوسطها سرير بجانبه طاولة صغيرة محملة بأدوية باتت رفيقة اﻷيام، تعيش سيدة  في خريف العمر تتأرجح أوراق عمرها مع نسمات الزمن،  شعرها كساه الشيب ووجهها لاحت معالم التعب عليه تاركة آثارها، يقرع الباب فتدخل فتاة بحوزتها آلة لتقيس فيها ضغط السيدة، كلا هي ليست ابنتها و لا حتى زوجة ابنها، بل الممرضة التى أخذت على عاتقها الاهتمام بها في المأوى الذي حضنها بعد أن تخلى عنها أبناؤها.

تسألها الممرضة عن حالها، فترد بخير بعد تنهيدة لو كانت من حروف لتضمنت عتاب بوسع هذا العالم و قساوته. بعد انتهاء الممرضة من ممارسة عملها، رفعت السيدة رأسها إلى الله و تضرعّت كي يبقي تلك الفتاة في صحتها و يعطيها العمر المديد. بعدها، طلبت منها أن تناولها ورقة و قلم لتكتب رسالة، فكان لها ما أرادت. تناولت تلك الورقة و قررت البوح بما خبأته في قلبها طول السنين التي مرت، و بدأت تكتب:”  لا زلت أذكر منذ ثلاثين سنة يوم كنت في المستشفى أنتظر الممرضة لتبشرني بقدومكم و نظري مسمّر عليكم  و هي تحملكم إليّ و ها أنا اليوم انتظرها في كل يوم علها تنقل لي رسالة منكم تخبرني عن أحوالكم و عن أحفادي..  لا زلت أذكر كم انتظرت بفارغ الصبر اللحظة التي  تنطقون فيها كلماتكم اﻷولى ﻷسمعها تلك اللحظة التي تنادوني فيهاوها أنا اليوم أتنظر أن يرنّ جرس الهاتف فاسمع صوتكم بعد طول انقطاع يناديني  فافرح كما فرحت في المرة اﻷولى و أنسى سنين انقطاعكم عني…

لا تزال في ذهني تلك اللهفة التي انتظر عودتكم بها إلى الديار بعد نهار مدرسيّ طويل  فأراكم تدخلون عليّ وأسألكم عما تعلمتم و عما حصل معكم و ها انا اليوم انتظر باللهفة ذاتها أن تدخلوا عليّ كي تسألوني عما حصل بي و عن صحتي.. في اﻷمس كنت أعدّ لكم الطعام و اطعمكم إياه لحظة يشتد عليكم المرض و ها أنا اليوم اتمنى أن تكونوا أنتم من يطعمني  لحظة ضعفي.. كنت أقضي نصف الساعة أتحايل عليكم كي تأخذوا الدواء فيخف عنكم المرض و ها أنا أتحايل على نفسي أقنعها أنكم أنتم من أرسله لي كي أطيب إذ صحتي تهمكم… عندما خطيتم أولى خطواتكم، أمضيت النهار أمسك يدكم نمشي كي تتعلموا المشي أسرع و ها أنا اليوم يمسكني الممرضون كي أتنقل فأناديهم بأسمائكم علي أخفف عن نفسي مرارة الشعور.. لا زال في خاطري يوم ذهبت إلى مدرستكم فرحت أراقبكم من بعيد تلهون في الملعب مع زملائكم فتدمع عيوني لشدة السعادة وها أنا اليوم أرى مسنين مثلي في حديقة المأوى و قد بدا القنوط على محياهم فأبكي لشدة الأسى.. ما انفكّت لحظة إعلان نجاحكما و تخرجكما من الجامعة تراود ذهني فوزعت الحلوى على الحي احتفالاً وها أنا اليوم حرمت من نجاح أحفادي، لا أنسى كم رقصت فرحاً في أعراسكم و كم سهرت أرعى أولادكم عند مرضهم وعند خروجكم وها انا اليوم مريضة أحتاج رعايتكم فلم تدقوا بابي.. كنت ذا حال قوية تختلفون فيما يينكم من سيستقبلني كي أخفف عنه الأعباء و ها أنا اليوم مكسورة ضعيفة تتناقشون فيما بينكم من سيأويني  فتعسر الاتفاق و استعنتم بالمأوى…

أبنائي أكتب إليكم اليوم بعد أن فقدت اﻷمل من رؤيتكم فقد مللت اﻹنتظار و التسمر أمام عقارب الساعة متمنيةً لو أنها تعود إلى الوراء لربما أستطيع تصحيح ما أخطأت به يوما معكم فلا ألقى هذا العقاب الذي أنزلتموه علي، لقد ضاقت هذه الغرقة بهمومي فأمست كالسجن تحرمني حرية الموت بالقرب ممن أحب.. أقضي وقتي أتذكر لحظة و لدوا فيها أحفادي فتخونني الدموع لتروي قصة جدة أبعدوها قسراً و حرموها فرحة مشاهدتهم يكبرون.

ها أنا اليوم ألملم أوراق عمري المتساقطة و أنشد أغنيةً حزينةً أناجيكم فيها علكم  تتذكرون أم حنون ضحت من أجل أبنائها، ألملممها و انا اتمنى لو كنتم أنتم من يسقيها كيلا تموت. بعد مرور أعوام ها أنا اليوم أكسر الصمت فقررت أن أراسلكم علكم تستجيبون، تمنيت لو أني  بينكم أقضي ما تبقى لي من أيام..  أبنائي، بينما قتلني شوقي أليكم، كنتم أنتم متناسين وجودي فلا تأبهوا لمقعد فارغ على مائدة الطعام و بينما تخليتم أنتم عن أمكم في يوم من اﻷيام، كان هناك من يتحسر على غمرة من أمه التي غيبها الموت..

سامحكم الله.” و قبل أن تنهي رسالتها هبت رياحُ عاتية أسقطت ورقتها اﻷخيرة أرضاً، فاستلم أبناؤها الرسالة بعد فوات اﻷوان و أوت الغرفة سيدة أخرى و بقيت الطاولة مغطاة بالدواء و بقيت عقارب الساعة تتحرك ببطء بالنسبة لسيدة أتقنت الانتظار وبقيت دقّات الساعة تتكسّر على أعتاب الصمت الحزين.

خلود خدّاج، مواليد عام 1995 من بلدة كفرمتّى، قضاء عاليه في جبل لبنان. طالبة جامعية. 

Advertisements

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: