حوار مع كافكا – ثائر تيماني

7 08 2016

في البيت، ينتابني ذلك الشعور بالحنين الدائم الى الماضي .. وبالاخصّ الى ايام الدراسة في الثانوية العامة و الى مجموعة الاصدقاء تلك.

أهرب من واقعي منتقلاً الى الذكريات التي أخالها تأتي من عالمٍ آخر ومن حياةٍ اخرى.

في الجامعة، مرّت ساعة وانا أنتظر حضور أستاذ مادة الاقتصاد الذي لم يأت.

طوال ذلك الوقت، لم يقترب مني أحد .. لا اعرف ما اذا كانت رائحتي النتنة هي السبب، أم أنّ هالة طاقة تجمعّت حولي ومنعتهم من الإقتراب، أو ربمّا احداً لم يلحظني واقفاً في قاعة المحاضرات تلك .. أعدّ الزهور المطبوعة على الحائط، وأنظر الى أظافري بإستمرار.

سرت في كل الإتجاهات المتاحة ، نظرت في كل الوجوه. بعبارة واحدة ألخص كيف كان حالي: لم أشعر بأني موجودُ.


كل من نظر إليّ يومها كان كمن ينظر عبر الزجاج ، نظرة فارغة من أي عاطفة أو إحساس.

كان عامي الجامعيّ الأوّل وكنت قد تغيبت طيلة الفصل، لهذا لم يعرفني أحد. ولكن يبقى السؤال لما لم يلحظني أحد ؟
سئمت الإنتظار وشعرت بتلك العصبيّة التي يشعر بها المدخن بعد تدني مستوى النيكوتين في دمه.
تركت القاعة. تجولت في الجامعة ، لم تستفزني الشعارات الحزبيّة. رأيت عشاقاً يتوزعون تحت الأشجار. يهربون من أشعّة الشّمس الحّارة حتى لا يضطّر أحدهم إلى قتل الآخر كما فعل بطل رواية ” الغريب” لألبير كامو.

وقفت في منتصف الساحة. كانت الشمس قاسية وكانت أشعتها تنكسر فوق رأسي وتنخر في عظام جمجمتي. وقفت أدخّن هناك .. في الخلاء..  في الصحراء الجامعيّة .. في الربع الخالي من الأحاسيس والإنسانيّة.
لم يكن هناك سوى الشمس.

فكرت لماذا يدخن المدخنون ؟ وانا واحدُ منهم .. فلماذا أدخن ؟

حضر فرويد الى ذهني مع سيجاره العريض. طردته من رأسي وقذفته مع الدخان بعيداً في رحلة طويلة قد تصل الى الشمس.

أتساءل:  لما لا تقترب إحداهنّ  مثلاً و تطلب منّي أن اشرح لها ديالكتيك ماركس أو تحدثني عن ميلان كونديرا وفرانز كافكا ؟

وهج الحرارة قاتل. اللون: أحمر.

أنكّس رأسي فأرى صرصار يضرب بيديه على حذائي.
انه فرانز كافكا ، أركع على رجل واحدة .. أرفعه الى يدي .. أتوجّه اليه بسؤال: أين كنتَ يا فرانز ؟

-كنتُ أكتبُ بعضَ الرسائل.

-“لم أعد أتحمل الآن حتى نظرات البشر، منطلقات قولي هذا لا تنمّ عن عدائية تجاههم لهم، ولكني لم أعد أتحمّل نظرات البشر، حضورهم، جلوسهم، تطلعهم، كل هذا هو أكثر من اللازم.” أليسَ كذلك يا فرانز ؟

-بلا

-لماذا اخترت ان تكون صرصاراً ؟ لما لم تجعل من نفسك فراشةً ؟

-وماذا تفعل الفراشة ؟

-لا أعلم ، تطير، تداعب السئم.

-برأيك “كيف أصبحت الشخص الذي أنا هو؟ هل أنا نفسي فعلا، أم صنع مني الآخرون بالأحرى الشخص الذي أنا هو؟”

-لا اعرف !
فرانز أنتَ لم تعرف كيف تنهي رواياتك، أمّا أنا فلا أعلم من أين أبدأها!

ثائر تيماني

Advertisements

إجراءات

Information

One response

7 08 2016
Vera Mawla

مقال رائع باسلوب سلس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: