ثورة بالريشة- خلود خدّاج

20 09 2016

في دبيب الظلمات ولدت ثورة.. إمراة فاتنة غزل الليل شعرها و تطايرت خصلاته على وجهها، عيناها بنيتان كبيرتان لو طال تسمرك أمامهما لنطقتا. شفتاها رقيقتان أنهى لتوه رسمهما بعد أن أضاف قليلاً من اﻷحمر عليهما.. صورها تلتفت إليه كأنما تريد أن تبوح له بأفكار ازدحمت في ذهنها، و كانت في تلك الصورة حبيبته التي حفظ ملامحها عن ظهر قلب. و لكن لماذا ثورة؟ ما الذي جعله يختار هذا العنوان؟ والذي يحمل في منحنيات حروفه ما يكفي من القسوة و التمرد و العصيان، لرسم كان هدفه التعبير عن النعومة والانوثة؟ حدّق كثيراً عند انتهائه بعد أن أمضى الليل يصورها و يرسل ملامحها لمخيلته لترسم صورة لصة محترفة استطاعت ببراعة أن تسرق قلبه، احتار بتسميتها إلى أن وقع اختياره على ” ثورة” و ذلك لاعتبارات عديدة.

ثورةُ هي بعد أن قرر رسم حبيبته و يجاهر بحبها في مجتمع اعتاد أن يوصد أبواب قلبه و ﻻ يشرعها سوى خلسةً .. في مجتمعٍ لا يعلن عمن يحب لكنه يشتم عدوه على مسمع الجميع،لا ينشر الحب و لا يؤيده إنما لا يمانع إعلان العداوة و الخصام بين أفراده، يكابر على حبه حتى لو اضطره ذلك لتشييعه بينما يتواطأ  مع اﻷحقاد حتى لو دفعه ذلك للقتل. ثورةُ هي عندما ينحاز للفن في وطن كل ما فيه دمار، عندما يمسك ريشته بين أفراد لا يحملون سوى أسلحتهم، و يسلك طريق اﻹبداع في أمة تحرص على إقفال كافة دروب الابتكار.. ثورةُ هي عندما ينصاع لمشاعره فلا يسعى لحظة ﻹخفائها بعد أن تعلًم في صغره فنّ التجاهل.. هي ثورة عندما يرسم الجمال وسط مجتمع اعتاد على تشويهه.

في دبيب الظلمات كانت بداية تمرد على قيود اعتدنا عليها منذ نشأتنا، ورغم ان والده أراده أن يلتحق في السلك العسكري كونه “يلائم رجولته” كما كان يظن، قرر أن يرسم؛ أن يعبّر؛ أن  يغير خارطة حياته و يكون هو سيد قراراته. رغم أنه لا مكان للفنّ في مجتمع حدّد المهن التي يتقبلها أصبح رساماً لا طبيباً و لا محامياً و لا مهندساً و لا عسكرياً كما أريد له.  في دبيب الظلمات أبصرت النور الحرية، فأطلق سراح نفسه التي حبسوها في سجن العيب و الخوف و اﻷحكام المسبقة، حلّق بأحلامه حيث يريد، صور رسمته  اﻷولى و إبداعه اﻷول و حبيبته اﻷولى فكانت ثورة: ثورة على الحب وعلى المجتمع وعلى الذات.

ثورة خفقان القلب الذي أرسل عنفوان الحب الى كل أجزاء الجسم محمّلاً  جزيئات الدم .. ذاك الشعور الجميل ليتجسّد عبر أنامله الذين توحّدوا مع الريشه لتنطق بأجمل وأسمى الصور: صور الحب، العشق، الغرام،  و الجمال.. ريشة تتحدى الموت و الزمان و المكان، ريشة أبت السكوت فنطقت ليبقى صوتها مدوياً، شاقاً الطريق الى اللا نهاية متحدياً صوت البنادق و الرصاص.

و إذا كان قدر الرصاصة الموت، فقدر ريشته إعلان ثورة لا تنضب من الحياة و الحب، و لا تخلو من التمرد على رهبة الخوف و سلاسل الخضوع… و كم نحن بحاجة لتلك الثورة!

خلود خدّاج

 

Advertisements

إجراءات

Information

One response

20 09 2016
ايوب

يسلم هل تم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: