رسالة الى الشيوعيين: النضال الطبقي هو الاولوية

21 07 2018

لعقودٍ خلت نظّر الحزب الشيوعي اللبناني للتلازم بين النضال الوطني من جهة والنضال الطبقي من جهة أخرى. وهذا صحيح في منطقة لا زالت تعاني من تبعات الاستعمار حيث لم يكن منطقياً محاربة الاحتلال وترك من يثبّت دعائمه أي الرأسمالية المحلية المرتبطة عضوياً بمصالح الاستعمار. تزخر أدبيات الحزب في توصيف الكيان الصهيوني بوصفه قاعدة متقدمة للرأسمالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الاميركية في منطقتنا حيث تسعى عبره ومعه بالاستيلاء على الأرض وكلّ الثروات الطبيعية الكامنة فيها أيضاً. انطلاقاً من هذا التوصيف تصبح المقاومة ضرورة ليس من أجل نيل التحرر من الكيان الصهيوني بل تصبح نضالاً مزدوجاً ضدّ الاحتلال وضدّ الرأسمالية العالمية وأدواتها. وبالادوات يقصد الحزب طبعاً جميع أركان النظام الطبقي المسيطر في لبنان حيث تحكم قلّة قليلة من البورجوازية كل لبنان وتتحكم بمفاصل أساسيه فيه.

عندما روّج الحزب لتلك النظرية، عنيت التلازم بين النضال الوطني والنضال الطبقي، كان العالم العربي في مرحلة احتلال مباشر فرضها اعلان الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨ وما تلاها من حروب خاضتها اما جيوش عربية أو قوى حزبية رديفة. وكانت المهمة الأساسية الملقاة على الحزب وعلى عموم قوى اليسار تستوجب خوض المعركة بكافة أشكالها ومن ضمنها الشكل العسكري المباشر، وكان يستحيل أن تتحرر الشعوب طبقياً ما لم يتم تحريرها وطنياً. أضف الى ذلك كانت البيئة السياسية السائدة في العالم العربي مؤاتية لتلك الطروحات خاصةّ لناحية بروز حركات التحرر الوطني ضدّ الاستعمار وتبوء اليسار أدواراً مهمّة على هذا الصعيد وان اختلف حجم وطبيعة الدور بين بلدٍ عربي وآخر. وكان وقتها جسم الحزب التنظيمي يضمّ الآلاف من الأعضاء والمناصرين والذين توزعوا على ميادين عديدة في الحقول العسكرية والسياسية والمطلبية والنقابية والثقافية. إنّ هذا الامر ساعد الحزب على طرح فكرة الترابط اذ لولا وجود وفرة في الكوادر الحزبية لما استطاع الحزب أن يوزّع حراكه السياسي في الحقول المشار اليها أعلاه.

 الظروف السياسية الآن كلها تبدلّت فالانتداب الفرنسي انتهى عام ١٩٤٣ والاحتلال الإسرائيلي انتهى عام ٢٠٠٠. لا أقصد البتّة القول أنّ الخطر الإسرائيلي قد زال تماماً فلبنان كما أرضه وشعبه وثرواته لا زالت أطماعاً صهيونية يريد الاستيلاء عليها. وقد تأكد هذا الامر عقب عدوان تموز عام ٢٠٠٦ والاطماع الإسرائيلية اليوم حول النفط والغاز والتي لم تعد خافية على أحد. ثمّ أن المهمة التي تولاها الحزب- أقصد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي – قد صادرها منه حزب الله لأسباب لا يهمنا أن نتطرق اليها في متن هذا المقال وهي أسباب معلومة للقاصي وللداني. فعودة بعض قياديي الحزب اليوم الى طرح شعارات متعلقة بالمقاومة لا تغدو كونها شعارات رومانسية وعاطفية تستخدم لدغدغة عواطف الشيوعيين، ثمّ أنّ الظرف السياسي الا وهو الاحتلال المباشر والذي حتّم علينا سلوك هذا الخيار قد انتفى. وفي حال كانت الحجّة مدموغة ولو افتراضياً بدعائم قوية فالسؤال كيف يمكن التوفيق بين النضالين الوطني والطبقي في حزب يضمّ اليوم ثلاثة آلاف منتسب، نصفهم فقط من الفاعلين.

لقد أشرنا أعلاه الى أنّ الحزب وعندما طرح في برنامجه التلازم بين النضالين، كان في صفوفه الالاف على عكس عديده اليوم. في حقيقة الامر، يروّج بعض قياديي الحزب هذه الطروحات اليوم كمقدمات نظرية تفيدهم في سياق دعم توجههم القائل بالالتحاق بحزب الله وهم لا أعلم تماماً اذا كانوا يدركون أنّ حزب الله بوصفه حزب المقاومة بدأ الحديث ضمن حلقته الضيقة عن القضية الثانية التي ينبغي التركيز عليها بعد انجاز المقاومة. أمّا حجتهم الثانية والتي تقول بأن علينا الالتحاق بالمحور المعادي للولايات المتحدة والذي يتكون من روسيا والصين ودول أخرى فهي حجج واهية تعبّر عن قصر نظر سياسي ولكأن روسيا والصين بلدان اشتراكيان ويسعيان الى تصدير تجربتهما الاشتراكية ناسين أم متناسين أن الدولتان تسعيان الى منافسة الولايات المتحدة كي تصبحا نداً في المنظومة الرأسمالية وما المكانة الدولية التي بدأت روسيا باحتلاها في العالم عقب دورها في الحرب السورية الاّ خير دليل على ذلك. وقد يحاججني البعض بأنّ الصين دولة اشتراكية .. هذا صحيح نعم ولكن ثمة أمر أساسي ينبغي لفت نظر البعض اليه. لا تسعى الصين بأي شكل من الاشكال الى تصدير تجربتها الاشتراكية ولعلّ ما يميز تجربتها الاشتراكية أنها شيدّت بناء على ظروف بيئتها السياسية والاجتماعية الفريدة. وهذا الامر جعلها تصطدم في أكثر من حقبة مع الاتحاد السوفياتي حيث كان يسعى دوماً أن يضمّ الصين الى منظومته الاشتراكية ولكن من دون جدوى.

في حقيقة الامر، يبلغ عمر الحزب الشيوعي اللبناني ٩٥ عاماً. قضى منهم حوالي ٤١ عاماً في نضال وطني ضدً الاحتلالين الفرنسي والإسرائيلي أي أقل بقليل من نصف عمره. الان تبرز الحاجة الى وضع النضال الطبقي على أجندة عمله كأولوية مطلقة وذلك كي يصار الى استعادة هوية الحزب الطبقية والتي هي في الأساس ميزة تميزّه عن باقي الأحزاب السياسية. أعرف مسبقاً حجم الهجوم عليّ بعد قراءة هذه الرسالة من قبل بعض الرفاق حيث سيتهمني البعض بأني معادٍ للمقاومة فيما الحقيقة تقول أنه من يعرفني ويعرف منهج تفكيري يعلم تمام المعرفة أني مع المقاومة .. فكراً ونهجاً وسلاحاً. إذاً، فليكن هذا الموضوع وكل المواضيع المرتبطة به هو أساس للفرز الذي ينبغي أن يحدث في المؤتمر الثاني عشر للحزب. إنّ الصراع الفكري- السياسي بين نهجين وخطين سياسيين آخذ بالتبلور في الحزب وأعتقد آنه سيتبلور أكثر في الأسابيع والاشهر القادمة وانه لامر صحيّ لا بل ضروريّ.

هل سأل أحدكم: ماذا يفعل حزب شيوعي في بلد لم يحدث فيه استعمار أو احتلال مباشر؟ الجواب: يفعل ما ينبغي أن يفعله أي يلعب دوره بوصفه حزباً للطبقة العاملة. هذا تماماً ما يجب أن يحذو حذوه حزبنا في الخطاب والممارسة. في الختام، لعلّ هذا المقال يفتح النقاش واسعاً ضمن هيئاتنا الحزبية حول كل الموضوعات المذكورة أعلاه خاصةً أننا على أعتاب مؤتمر بات مطلوباً منه أن يحدث فرزاً سياسياً بين الشيوعيين حول الخيارات السياسية للحزب.

الإعلانات

إجراءات

Information

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s




Sekkar Melih | ســــكّر مالــــح

قالَ البيتْ خُذوني مَعَكُمْ | أعطيناه الدّمْعُ ورُحنا

مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها

أنا نصف مجنون أبحث عن نصفي الاخر. حياتي كناية عن فوضى منظمّة .. هوايتي المفضلة أن أدفع الامور نحو الهاوية ثم أترقب لحظة سقوطها على نحو يثير اللذة في تكرار مغامرة قاتلة. بين الاكاديميا والحب والنضال .. جنون يخترق جدية الحياة فيجعلها في مرمى النيران

لبناني

مساحة حرة لنقد 14 و 8 آذار ... بلا قيود غير المواطنية

جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة

هكذا يكون الجوع خطيراً، ثائراً وعميق الإنتماء

%d مدونون معجبون بهذه: